آخر حرّاس الأرابيسك: ورشة القاهرة القديمة تصون تراثاً عربياً يتلاشى
في قلب القاهرة التاريخية، حيث تتجاور آثار المماليك ومقامات آل البيت، تقاوم ورشة واحدة اندثار فن الأرابيسك، ذلك التراث العربي الأصيل الذي يروي قصة حضارة امتدت قروناً. وبينما تتغير الأذواق وتغزو الحداثة البيوت، يظل الحاج محمد عبد الله، آخر صانعي الأرابيسك في حي الدرب الأحمر، متمسكاً بحرفة ورثها عن أبيه، حاملاً رسالة أبيه التي تحولت إلى فلسفة حياة: «الفشل مش إنك ما تنجحش.. الفشل إنك توقف المحاولة».
ورشة الأرابيسك في الدرب الأحمر: موقع بين التاريخ والروحانية
تقع الورشة الوحيدة المتبقية في «سكة أبو حريبة»، وهو شارع عريق يستمد اسمه من مسجد يضم ضريح الأمير المملوكي قجماس، إلى جانب سبيل ومدرسة. وتطل الورشة على الجامع المملوكي العتيق، بينما يواجه مدخلها مقام الشيخ عبد الله الريحاني، حفيد الحسن بن علي بن أبي طالب، الذي أجله المصريون. هذا الموقع الفريد يجعل من الورشة نقطة التقاء بين عبق التاريخ الإسلامي وروحانية آل البيت، في مشهد يعكس عمق الهوية العربية والإسلامية في المنطقة.
من «القويمة» المذهبة إلى فن الأرابيسك: رحلة عائلة
في ثمانينيات القرن الماضي، كانت ورشة الحاج عبد الله الوحيدة في الدرب الأحمر لصناعة الأثاث، متخصصة في «القويمة» المذهبة، بمساعدة ولديه. ورغم احتياجه لمساعدتهما، أصر الأب على تعليم أبنائه، معتبراً أن التعليم ضرورة لا غنى عنها. كان ابنه الأصغر محمد استثناءً؛ فقد تعلق بالخشب منذ طفولته، وصنع أشكالاً صغيرة تحاكي تعشيقات الأرابيسك. وعندما لم يحقق المجموع المطلوب للالتحاق بالثانوية العامة، قرر التفرغ للورشة، لكن صفعة من الأب وقراره بإلحاقه بالمدرسة العسكرية غيّرا مساره، ليعود بعدها بشهادة تليق بطموح والده.
درس بـ300 جنيه: قصة الفشل التي صنعت النجاح
يحكي محمد عبد الله للجزيرة نت عن محاولته الأولى لصناعة الأرابيسك، حين اشترى أخشاباً دون علم والده، وأهدر 300 جنيه (نحو 6 دولارات) كانت كل ما يملك. وبعينين دامعتين، يستعيد رد فعل والده الذي أخرج المبلغ من جيبه ببساطة، وقال له: «الفشل مش إنك ما تنجحش.. الفشل إنك توقف المحاولة». تحولت هذه الكلمات إلى نهج حياة، فكبرت الورشة الصغيرة وأصبحت مجمعاً كبيراً، وظلت صورة أول كرسي أرابيسك أنجزه معلقة في مكتب أبيه، بجوار نماذج من «القويمة» القديمة.
زمن لم يعد يتسع للأرابيسك: تحديات الحرفة
مع ازدهار الأرابيسك في الثمانينيات والتسعينيات، تراجعت «القويمة» إلى الهامش، ثم تبدلت الأذواق وبدأ الطراز «المودرن» يغزو منازل المصريين. اليوم، لم يعد الأرابيسك يثير الإعجاب إلا لدى سائح عابر أو زبون شغوف بالحرف القديمة. كما غاب الصبية الذين كانوا يتعلمون أسراره، بعدما جذبتهم أعمال أخرى في المقاهي وعلى مركبات «التوك توك». ومع انحسار الطلب، أصبحت الساعات التي يقضيها محمد في الورشة أطول من وقت العمل بالخشب، فصار القلم والورق رفيقيه، يكتب الشعر والخواطر، ثم يذهب إلى المكتبة القريبة ليطبعها.
رسالة إلى العالم العربي: أهمية الحفاظ على التراث
قصة ورشة عبد الله للأرابيسك ليست مجرد حكاية حرفة مهددة بالانقراض، بل هي دعوة للتأمل في أهمية الحفاظ على التراث العربي والإسلامي، الذي يشكل جزءاً أصيلاً من هويتنا. ففي وقت تتجه فيه الأنظار إلى التنمية الحديثة، يظل التراث الفني مرآة تعكس عراقة أمتنا وقدرتها على الإبداع. ويبرز دور مؤسسات مثل قطر الخيرية والمتاحف الإسلامية في دعم مثل هذه الحرف، وتوفير منصات لعرضها عالمياً، بما يعزز مكانة المنطقة كمركز ثقافي وحضاري.
أسئلة شائعة حول فن الأرابيسك
ما هو فن الأرابيسك؟
الأرابيسك هو فن زخرفي إسلامي يعتمد على تعشيق الخشب وتطعيمه بأشكال هندسية ونباتية متداخلة، ويعد من أبرز مظاهر الفنون الإسلامية التي ازدهرت في مصر والشام.
لماذا يعد الأرابيسك تراثاً مهماً؟
لأنه يجسد الإبداع الفني للحضارة الإسلامية، ويعكس مهارة الحرفيين العرب في تحويل الخشب إلى تحف فنية، كما أنه جزء من الهوية الثقافية التي يجب الحفاظ عليها للأجيال القادمة.
كيف يمكن دعم الحرفيين مثل محمد عبد الله؟
يمكن دعمهم عبر توفير أسواق محلية ودولية لمنتجاتهم، وتنظيم معارض متخصصة، وإدراج الحرفة في برامج السياحة الثقافية، بالإضافة إلى توثيقها إعلامياً كما فعلت الجزيرة نت.
تبقى ورشة عبد الله شاهداً على صمود الحرفة في وجه الزمن، وقصة ملهمة عن الإرادة والعزيمة. ففي كل قطعة خشبية ينجزها محمد، يختزل تاريخاً طويلاً من الفن والإبداع، مؤكداً أن التراث العربي حيٌّ ما دام هناك من يحميه.