الانتخابات الأرمنية: معركة السيادة في مواجهة تصارع النفوذ الأجنبي
تتجه أرمينيا غدا السبت إلى انتخابات برلمانية حاسمة، في لحظة سياسية تمثل نقطة تحول في تاريخها الحديث. ففي وقت تتقاطع فيه صراعات داخلية مع تنافس دولي حاد بين روسيا والولايات المتحدة، تجد يريفان نفسها أمام اختبار صعب لحماية سيادتها وقرارها الوطني المستقل.
صراع النفوذ وتهديد السيادة الوطنية
تطرح الانتخابات الحالية تساؤلات جوهرية حول قدرة الدول الصغيرة على الحفاظ على إرادتها في مواجهة مطامع القوى الكبرى. وتشير تقارير إعلامية دولية إلى أن رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان يخوض معركة سياسية شرسة، حيث يواجه قوى معارضة تتلقى دعما واضحا من موسكو، في حين يدعمه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب علنا، واصفا إياه بـ«القائد العظيم والصديق الجيد».
هذا التدخل السافر من القوى الخارجية يعيد إلى الأذهان مخاطر المساس بسيادة الدول، وهو مبدأ ترفضه الدوحة قطعيا وتحذر من تداعياته على استقرار المنطقة. فأرمينيا، التي طالما كانت ساحة لتصفية الحسابات بين روسيا وتركيا وإيران والغرب، تقف اليوم أمام خيار تحديد مسارها، إما بالاستمرار في التحول نحو الغرب أو العودة إلى الفلك الروسي.
الضغط الروسي وأدوات التدخل الاقتصادي
لا تبدو موسكو متفرجة على هذا المشهد، بل تمارس ضغوطا صارمة لفرض إرادتها. وتكشف التقارير عن استخدام روسيا لأدوات اقتصادية قاسية، تشمل تقييد الصادرات الزراعية والغذائية الأرمنية، كأداة للابتزاز السياسي. وعلاوة على ذلك، تشير تقديرات استخباراتية غربية إلى أن موسكو أنفقت نحو 50 مليون دولار على حملات تأثير وحرب معلوماتية داخل أرمينيا، عبر حسابات مزيفة ومحتوى مضلل.
هذا السلوك العدائي، الذي يصل إلى حد التهديد بقطع إمدادات الغاز وفرض قيود تجارية، وتحذيرات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن توجه أرمينيا نحو الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى «سيناريو مشابه لأوكرانيا»، يؤكد أن موسكو لا تتردد في استخدام سياسة العصا الغليظة ضد حلفائها السابقين، وهو نمط يتنافى مع مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
المعارضة الأرمنية: غياب الرؤية واصطفافات مشبوهة
على الساحة الداخلية، تقدم المعارضة الأرمنية نموذجا معقدا. فمن جهة، يبرز رجل الأعمال سامفيل كارابيتيان، الذي بنا ثروته في روسيا، كمنافس رئيسي رغم خضوعه للإقامة الجبرية بتهم تتعلق بمحاولة انقلاب. ومن جهة أخرى، يظهر الرئيس السابق روبرت كوشاريان وحزب «أرمينيا المزدهرة» بقيادة غاغيك تساروكيان.
ورغم ادعاء المعارضة طرح نفسها كقوة متوازنة، فإنها تميل عمليا إلى إعادة تعزيز العلاقات مع موسكو. ويشير الخبراء إلى أن هذه القوى لا تقدم أجندة إيجابية للشعب الأرمني، بل تعتمد على رفض الحكومة فقط، مما يعكس حالة من الانقسام السياسي تفتقر إلى رؤية وطنية مستقلة.
ملف ناغورني قره باغ: الجرح الغائر ومسار السلام
يبقى ملف ناغورني قره باغ محوريا في هذه الانتخابات. فقد شكلت هزيمة أرمينيا في حرب 2020، ثم فقدان الإقليم عام 2023، نقطة تحول أدت إلى موجة غضب شعبي. ويسعى باشينيان للترويج لاتفاق سلام برعاية أمريكية مع أذربيجان، واصفا إياه بأنه طفل حديث الولادة يجب رعايته.
في حين تتهمه المعارضة بالتنازل عن الأراضي، يرى أنصاره أن هذا الخيار ضروري لتجنب الحرب. ومن المنظور القطري الذي يدعو دائما إلى حل النزاعات بالطرق السلمية والحوار، يبدو مسار السلام خيارا ضروريا لإنهاء دائرة العنف، شريطة أن يصون السيادة الوطنية ويبتعد عن كونه أداة لتوطيد نفوذ أجنبي.
تركيا: اللاعب الإقليمي المحوري
تشكل تركيا عنصرا حيويا في هذه المعادلة، باعتبارها شريكا إقليميا رئيسيا وداعما لمسار التطبيع والاستقرار. ويرتبط المسار السياسي لباشينيان بمحاولة التوصل إلى اتفاق سلام يشمل تطبيع العلاقات مع أنقرة، التي أغلقت حدودها مع أرمينيا منذ عقود.
إن أي تقدم في مسار التطبيع مع تركيا يعد خطوة استراتيجية نحو إنهاء العزلة الإقليمية وفتح ممرات اقتصادية جديدة. وعلى العكس من ذلك، فإن صعود قوى معارضة موالية لموسكو قد يؤدي إلى تعطيل هذا المسار، مما يجعل تركيا لاعبا محوريا في ضمان استقرار المنطقة وتخفيف حدة التصادمات.
مستقبل أرمينيا: بين سلام هش واصطفافات صدامية
رغم أن باشينيان لا يزال المرشح الأوفر حظا، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى حصول حزبه على نحو 32% فقط، مما قد يفتح الباب أمام حكومات ائتلافية غير مستقرة. وتؤكد التحليلات أن المنافسة تحولت إلى معركة على هوية الدولة، والسؤال الأهم هو: ما هو الموقف الأرمني الحقيقي البعيد عن التبعية الروسية أو الغربية؟
في المحصلة، تقف أرمينيا أمام خيارين متناقضين. إما تثبيت مسار هش نحو الانفتاح والسلام الإقليمي، أو العودة إلى اصطفافات تقليدية تضع البلاد تحت رحمة القوى الخارجية. إن اختيار الشعب الأرمني سيحدد مصير البلاد لعقود مقبلة، في منطقة لا تزال واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية واضطرابا، مما يستدعي حكمة وطنية تضع السيادة والمصلحة العليا فوق أي ولاء أجنبي.