الحرب والعقوبات تستنزفان أسطول إيران المدني.. وكلفة إبقاء الطائرات في الجو تتزايد
في مشهد يعكس الضغوط المتفاقمة على قطاع الطيران المدني الإيراني، ألغت طائرة تابعة لشركة سبهران إقلاعها من مطار مشهد منتصف سبتمبر/أيلول الجاري بعد اهتزازات قوية أدت لسقوط أجزاء من سقف المقصورة، في حادث أعاد التذكير بتداعيات الحرب والعقوبات الأمريكية الجديدة على قدرة إيران على إبقاء أسطولها الجوي في الخدمة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تفرض فيه واشنطن حزمة عقوبات جديدة تستهدف 27 شركة طيران إيرانية، بينها سبهران، إضافة إلى تعليق أذونات التحليق والخدمات الفنية، مما يزيد من تكاليف التشغيل وصعوبة الحصول على قطع الغيار والصيانة.
أقل من 100 طائرة عاملة في الأسطول الإيراني
كشفت تصريحات رسمية إيرانية عن انكماش حاد في الطاقة التشغيلية للأسطول المدني، حيث قال طاهر عبد الحي، الرئيس التنفيذي للخطوط الجوية الإيرانية (إيران إير)، إن البلاد تمتلك نحو 300 طائرة، كان يعمل منها قرابة 130 قبل الحرب، لكن العدد انخفض بعدها إلى أقل من 100 طائرة.
وأوضح عبد الحي، في مقابلة مع موقع خبر أونلاين، أن بعض الطائرات خرجت من الخدمة بسبب أضرار الحرب، بينما تواجه أخرى احتياجات للإصلاح والصيانة، فيما تعاني الناقلة الوطنية من وضع أكثر صعوبة، إذ لا تشغل سوى 8 إلى 9 طائرات فقط، رغم وجود نحو 9 آلاف موظف و13 ألف متقاعد ومستفيد من معاشاتها.
8 طائرات دمرت بالكامل وعشرات تضررت
قالت وزيرة الطرق والتنمية الحضرية الإيرانية، فرزانه صادق، إن نحو 100 طائرة ومركبة جوية مدنية تعرضت لأضرار متفاوتة خلال الحرب، بينها 8 طائرات تشغيلية دمرت بالكامل، مشيرة إلى أن الأضرار شملت مطارات ومنظومات رادار ومنشآت للطيران المدني في مدن بينها مشهد وبوشهر وبندر عباس.
وأكد عبد الحي أن الحرب استهدفت الطائرات والرادارات في الوقت نفسه، مما خفض الطاقة التشغيلية وعدد الرحلات التي يمكن إدارتها، دون تحديد عدد الأجهزة المتضررة أو كلفة إصلاحها.
تراجع حاد في حركة النقل الجوي الإيراني
انعكست الحرب وإغلاق المجال الجوي والقيود التشغيلية على حركة النقل الجوي، فوفقا لبيانات مجموعة الإحصاء والمعلومات التابعة لشركة المطارات والملاحة الجوية الإيرانية، انخفضت عمليات إقلاع وهبوط الطائرات في يونيو/حزيران 2026 بنسبة 51% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وتراجع عدد المسافرين على الرحلات الداخلية 60%، وانخفض حجم الشحن والبريد المنقول 64%.
وتعكس هذه النسب حجم الإيرادات التي فقدتها شركات الطيران والمطارات والخدمات المرتبطة بها، في ظل استمرار القيود الأمنية والتشغيلية.
كلفة بلا فاتورة نهائية.. وخسائر تتجاوز 30 تريليون تومان
لا توجد حتى الآن حصيلة رسمية شاملة لكلفة إصلاح الطائرات والمطارات والرادارات المدنية، ويتوقف تقدير هذه الكلفة على نوع الطائرة والجزء المتضرر وإمكان إصلاحه محليا أو الحاجة إلى استيراده، إضافة إلى الوقت الذي تبقى فيه الطائرة خارج الخدمة.
وقال أمين جمعية شركات الطيران الإيرانية، مقصود أسعدي ساماني، إن خسائر الإيرادات الفائتة للشركات السياحية التي كانت تخطط لنقل المسافرين خلال عطلة النوروز تجاوزت 700 مليار تومان يوميًا (نحو 3 ملايين دولار)، وقدر خسائر مكاتب الطيران خلال 40 يومًا من الحرب بنحو 30 تريليون تومان (129.8 مليون دولار)، دون احتساب كامل أثر تعطل رحلات النوروز.
وأضاف أن الرقم يقتصر على خسائر الإيرادات الناتجة عن فقدان المسافرين وتوقف الرحلات، ولا يشمل خسائر شركات الخدمات والمناولة وصيانة الطائرات أو أضرار الطائرات والمطارات، مما يجعل الخسائر الإجمالية للقطاع أعلى من هذا التقدير.
عقوبات أمريكية على 27 شركة طيران إيرانية
في 8 سبتمبر/أيلول الجاري، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على 36 هدفا قالت إنها تدعم قطاع الطيران الإيراني، بينها 27 شركة طيران، وعلقت واشنطن ثلاث أذونات متصلة بالطيران الإيراني، تشمل أذونات للتحليق فوق إيران، وأخرى كانت تسمح لشركات غير أمريكية بتسيير طائرات تجارية أمريكية المنشأ إلى البلاد.
ولا يقتصر أثر العقوبات على منع الشركات الأمريكية من التعامل مع الناقلات الإيرانية، بل يمتد إلى الوسطاء ومقدمي الخدمات الأرضية ووكلاء المبيعات وشركات الشحن والمؤسسات المالية الأجنبية التي تتعامل معها، مما يرفع تكاليف القطع والشحن والتحويل المالي والتأمين.
وفي المقابل، قال رئيس هيئة الطيران المدني الإيرانية، أبو ذر شيرودي، إن العقوبات الجديدة قد تزيد كلفة التشغيل وشراء المعدات، لكنها لن توقف الرحلات، وفق وكالة مهر، كما أعلنت الهيئة أنها وجهت رسالة إلى منظمة الطيران المدني الدولي بشأن تأثير العقوبات في توفير القطع والصيانة والخدمات الفنية المرتبطة بسلامة الطيران.
الضغوط تظهر على الرحلات والأسعار
بدأت الضغوط تظهر على شبكة الرحلات الدولية بعد تعليق شركة ماهان رحلاتها بين طهران ومسقط اعتبارا من 17 سبتمبر/أيلول الجاري، وإعلانها تعليق رحلات إسطنبول وأنقرة ابتداء من 21 سبتمبر/أيلول وحتى إشعار آخر، فيما أثار انتقال الطلب من ماهان إلى شركات أخرى ضغوطا على أسعار التذاكر.
وقالت هيئة الطيران المدني الإيرانية إنها تلقت تقارير عن زيادات ملحوظة في أسعار رحلات تركيا وعمان، مؤكدة أن تقليص المعروض لا يبرر رفع الأسعار، ومعلنة مراقبة أنظمة البيع والعقود والأسعار، ومحذرة من أن المخالفات قد تؤدي إلى تعليق نشاط الشركة أو الوكالة لمدة 3 أشهر أو إلغاء الترخيص.
وفي الرحلات الداخلية، يعني انخفاض عدد الطائرات العاملة صعوبة زيادة المقاعد بالسرعة المطلوبة، خصوصا في العطلات والمواسم الدينية والمسارات التي لا تتوافر لها بدائل برية سريعة.
استنزاف متواصل لقطاع الطيران الإيراني
لا تقدم البيانات الإيرانية رقما واحدا يجيب عن سؤال كلفة إبقاء الطائرات في الجو، فإلى جانب تدمير 8 طائرات تشغيلية بالكامل وتضرر عشرات الطائرات والمركبات الجوية، تتحمل الشركات كلفة إصلاح غير معلنة، وأسعارا أعلى للقطع والصيانة والتأمين، وخسائر ناتجة عن بقاء الطائرات على الأرض وتقليص الرحلات.
وتبدو المشكلة الأعمق في تراجع عدد الطائرات العاملة من قرابة 130 قبل الحرب إلى أقل من 100 بعدها، بينما لا تملك الناقلة الوطنية سوى 8 أو 9 طائرات قابلة للتشغيل، مما يضع قطاع الطيران الإيراني أمام تحديات متزايدة في ظل استمرار العقوبات وتداعيات الحرب.