الكتاب الأخضر.. هل كتبه القذافي فعلا؟
في قلب التحولات الفكرية التي شهدتها المنطقة العربية، يظل السؤال حول مؤلف «الكتاب الأخضر» مفتوحا، إذ تشير مصادر ووثائق إلى أن المفكر السوداني عبد الله زكريا إدريس كان العقل المدبر خلف صياغة هذا الكتيب الذي نسب إلى الزعيم الليبي معمر القذافي. وبينما يتواصل الجدل حول حقيقة authorship، تكشف التفاصيل عن دور محوري لعبد الله زكريا في بلورة أفكار «النظرية العالمية الثالثة»، مما يضع علامات استفهام كبيرة حول الإرث الفكري للقذافي.
من هو عبد الله زكريا إدريس؟
وُلد عبد الله زكريا إدريس عام 1932 في مدينة الفاشر غربي السودان، في أسرة عريقة النسب؛ فجده قاضي إدريس الفقيه كان مفتي سلطنة دارفور، وساهم في توطيد حكم السلطان علي دينار. تلقى تعليمه الأولي في الفاشر، ثم التحق بمدرسة حنتوب الثانوية حيث زامل نخبة من رموز السياسة السودانية، منهم الرئيس الأسبق جعفر نميري والدكتور حسن الترابي. واصل دراسته في جامعة الخرطوم، ثم نال الماجستير من جامعة لندن، ليعود بعدها إلى السودان حيث انخرط في العمل السياسي والفكري.
اللقاء مع القذافي وبداية العلاقة
في نهاية الستينيات، التقى عبد الله زكريا بمعمر القذافي عبر وساطة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي قدمه مع رفاقه من الحزب الاشتراكي الإسلامي إلى الزعيم الليبي الشاب. انتقل عبد الله إلى طرابلس عام 1972، حيث انخرط في حوارات فكرية مكثفة مع القذافي والمفكر الليبي الصادق النيهوم، وأسفرت هذه اللقاءات الثلاثية عن مسودات أساسية شكلت نواة «الكتاب الأخضر».
صياغة الكتاب الأخضر: الحقيقة الكاملة
وفقا لإفادات عبد الله زكريا، كان يقوم بتلخيص الأفكار وتنقيحها وتقديمها للقذافي في اللقاءات التالية، بينما كان النيهوم يكثر من الاختلاف والتشعب الفكري. وقد وصف عبد الله صياغة الكتاب بأنها «مربكة»، مشبها نصوصه بـ«قفزات السناجب» التي تعكس حالة الجلسات النقاشية المضطربة. صدر الكتاب مجمعا عام 1979 في 120 صفحة، وحمل عنوان «الكتاب الأخضر»، وقدم كأساس للنظرية العالمية الثالثة التي جمعت بين الاشتراكية والإسلام.
دور عبد الله زكريا في نشر النظرية
بعد صدور الكتاب، كلفه القذافي بشرح متن الكتاب وعقد الندوات التعريفية به، وتأسس المركز العالمي لدراسات «الكتاب الأخضر» الذي كان عبد الله من أبرز رموزه. كما تولى ترجمة النصوص والوثائق إلى الإنجليزية، وكتب مقالات في الصحف والمجلات داخل ليبيا وخارجها، مما جعله الوجه الفكري للنظام الليبي.
ماذا جنى عبد الله زكريا من السلطة؟
رغم العلاقة الوثيقة مع القذافي، لم يجنِ عبد الله زكريا سوى الخيبات؛ فبعد أكثر من أربعين عاما من العمل الفكري والسياسي، عاد إلى السودان في خريف العمر زاهدا معدما، تاركا خلفه ليبيا التي غرقت في تطبيقات مجحفة لنظرية يوتوبية. توفي في 28 مايو 2023 بالخرطوم عن عمر يناهز 91 عاما، تاركا إرثا فكريا واسعا.
أسئلة شائعة حول الكتاب الأخضر
هل كتب القذافي الكتاب الأخضر بنفسه؟
تشير الأدلة إلى أن عبد الله زكريا إدريس صاغ المسودات الأساسية للكتاب، بينما تولى القذافي الإشراف والاعتماد النهائي، مما يثير تساؤلات حول نسبة authorship الحقيقية.
ما هي النظرية العالمية الثالثة؟
هي فلسفة سياسية واقتصادية طرحها القذافي في الكتاب الأخضر، تجمع بين الاشتراكية والإسلام، وتهدف إلى تحقيق الديمقراطية المباشرة عبر نظام المؤتمرات الشعبية واللجان الثورية.
ما هو الإرث الفكري لعبد الله زكريا؟
ترك عبد الله زكريا مؤلفات مهمة مثل «الدولة الفاطمية الثانية» و«زيارة إلى الصين بلد السماء»، إضافة إلى كتاب ضخم عن محاكمة الفكر السياسي السوداني، مما يجعله من أبرز المفكرين في المنطقة.