الشرق الألماني: جدار خفي يقسم ألمانيا بعد 35 عاماً على الوحدة
بعد أكثر من ثلاثة عقود على سقوط جدار برلين، لا تزال ألمانيا تعيش انقساماً عميقاً بين شرقها وغربها، ليس على مستوى الجغرافيا، بل في الذهنية والهوية والسياسة. ففي ليلة من ليالي يناير 2015، تجلى هذا الانقسام بوضوح حين خرجت حركة «بيغيدا» اليمينية في مظاهرتين متزامنتين: واحدة في كولن غرباً لم تتجاوز خمسمئة متظاهر، وأخرى في دريسدن شرقاً حشدت نحو عشرين ألفاً. تلك الليلة، أطفأت كاتدرائية كولن أنوارها احتجاجاً على المتظاهرين اليمينيين، بينما سادت دريسدن أجواء من التأييد الشعبي الواسع، وكأن جداراً رفيعاً غير مرئي ما زال يفصل بين شطري الدولة.
هذا المشهد يعكس حقيقة اجتماعية وسياسية معقدة، إذ يشير الخيال السياسي الشعبي الألماني إلى وجود منظومتين ذهنيتين مختلفتين داخل دولة واحدة. وقد أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة في ولايات الشرق أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني الراديكالي حاز منفرداً مكاسب تضاهي ما جنته أحزاب الوسط التقليدية الأربعة مجتمعة، في انكشاف لحقيقة اجتماعية كانت كامنة تحت السطح.
صدمة الحرية: حين ابتلعت الرأسمالية الشرق
كان سقوط جدار برلين بمثابة انهيار كامل للذات الشرقية وللمجتمع العمّالي المترابط. فبين عشية وضحاها، فقد مواطنو «جمهورية ألمانيا الديمقراطية» عملتهم ونظامهم المدرسي وهياكلهم الاقتصادية وحتى نخبهم الأكاديمية، وهاجر نحو مليوني شخص من حملة الشهادات إلى الغرب. وقد ابتلعت الرأسمالية الغربية البنية التحتية للاقتصاد الشرقي، بينما تفككت الروابط الشبابية والحزبية، فوجد آلاف الشبيبة أنفسهم في متاهة وذهول.
يصف الباحث الألماني كوفالشوك هذه التجربة بـ«صدمة الحرية»، التي لم يجتزها أغلب الشرقيين حتى الآن. فاندفعوا بحثاً عن «الغرب الذهبي» قبل أن يتبينوا أن الديمقراطية الليبرالية كانت تلقي الوعود بالرفاه باليد اليمنى، وتوزع اللامساواة والقسوة باليد اليسرى. وقد عاش الشرقيون داخل حاضنة أبوية قاسية وحنونة في آن واحد، توفر الكنف وتكذب على شعبها، لتتحول الوحدة في نظرهم إلى «بخس» أو تدمير للمكانة والقيمة.
العنف والهوية: سنوات مضارب البيسبول
في المتاهة تلك، تشكلت ظواهر فاشية عديدة مارست العنف الوحشي في الفضاء العام، طالت المهاجرين والعمال الأجانب وحتى اليسار. ففي عام 1990، هاجمت عصابة من عشرات الشبان العامل الأنغولي أماديو أنطونيو بمضارب البيسبول وأوسعوه ضرباً حتى الموت، لتبدأ حقبة عُرفت بـ«سنوات مضارب البيسبول»، التي مثلت محاولة لاستعادة الهوية من خلال العنف المنفلت ضد كل من هو «آخر» في الشرق الألماني.
وتشير إحصاءات رابطة مراكز استشارات ضحايا العنف اليميني إلى توثيق 3167 حادثة اعتداء يميني عنصري في العام الماضي، تضرر منها 4298 شخصاً بينهم 600 طفل ومراهق. كما كشفت بيانات مركز أبحاث الاندماج والهجرة أن 60% من المستطلعين يشعرون بالخوف من طريقة إدارة اليمين المتطرف للنقاش السياسي، وأن 35% من ذوي الأصول المهاجرة سيفكرون في مغادرة شرق ألمانيا إذا تمكن حزب البديل من الحكم.
الشرق اختراع غربي أم حقيقة جيوسياسية؟
يثير الجدل حول الهوية الشرقية الألمانية أسئلة جوهرية حول طبيعة هذا الانقسام. ففي كتابه «الشرق اختراع ألماني غربي»، يستعين ديرك أوشمان بأساليب إدوارد سعيد لتفكيك المسألة الشرقية، معتبراً أن الشرق ليس جغرافيا بل بنية خطابية من اختراع الغرب ليعرّف نفسه من خلالها. فالكاتب من غرب ألمانيا هو كاتب ألمانيا، أما الكاتب من الشرق فهو «كاتب ألماني شرقي»، وكأن المسألة الشرقية أبعد من ثقافة، إنها إشكالية جينية في الأساس.
في المقابل، يرى آخرون أن الشرق الألماني حقيقة جيوسياسية تشكلت بفعل التاريخ والسياسة والحروب، وأنه آلت إلى سردية تشكل الهوية والمظلومية والحنين عناصرها المركزية، وهي سردية تنتقل من جيل إلى جيل، قابلة للتوريث وعصية على الذوبان. وقد خلصت دراسة لمؤسسة فريدريش-إيبرت عام 2023 إلى أن نسبة عدم الرضا عن الديمقراطية بلغت 67% في شرق ألمانيا، في مؤشر على عمق الأزمة.
دروس للعالم الإسلامي: بين الوحدة والهوية
تقدم التجربة الألمانية دروساً مهمة للعالم الإسلامي والعربي، الذي يواجه بدوره تحديات تتعلق بالهوية والاندماج والوحدة. فالتجربة الألمانية تظهر أن الوحدة السياسية والاقتصادية لا تكفي وحدها لتحقيق الاندماج الاجتماعي والثقافي، وأن تجاهل الخصوصيات الثقافية والهويات الإقليمية يمكن أن يولد شعوراً بالمظلومية والحنين إلى الماضي، وهو ما يستغله الخطاب الشعبوي واليميني المتطرف.
كما تطرح التجربة الألمانية أسئلة حول قدرة الديمقراطية الليبرالية على احتواء المجتمعات التي خسرت الكيان والقيمة والذاكرة، وحول حدود النموذج الغربي في التعامل مع التنوع والاختلاف. فبعد أكثر من ثلث قرن على الوحدة، يبدو أن ألمانيا ما زالت تبحث عن صيغة للتعايش بين منظومتيها الذهنيتين، وكأن جداراً خفياً ما زال قائماً، وإن لم يكن مرئياً على الأرض.
الأسئلة الشائعة حول الانقسام الألماني
ما هي أسباب صعود اليمين المتطرف في شرق ألمانيا؟
يعود صعود اليمين المتطرف في شرق ألمانيا إلى عوامل متعددة، أبرزها الشعور بالمظلومية وفقدان الهوية بعد الوحدة، وعدم الرضا عن الديمقراطية الليبرالية التي ابتلعت الاقتصاد الشرقي دون احتواء مجتمعه، إضافة إلى تفكك الروابط الاجتماعية والثقافية التي كانت قائمة في ظل النظام الشيوعي.
كيف تتعامل ألمانيا مع إرث الانقسام الشرقي-الغربي؟
تتعامل ألمانيا مع إرث الانقسام عبر سياسات تهدف إلى إعادة إصلاح البنية التحتية في الشرق، ودفع «ضريبة التضامن»، لكن هذه السياسات لم تنجح في معالجة الجذور الثقافية والهوياتية للانقسام، الذي ما زال يظهر في النتائج الانتخابية والمواقف السياسية والاجتماعية.
ما هي الدروس التي يمكن أن يستفيدها العالم الإسلامي من التجربة الألمانية؟
تقدم التجربة الألمانية دروساً حول أهمية احترام الخصوصيات الثقافية والهويات الإقليمية في مشاريع الوحدة والاندماج، وضرورة بناء نماذج تنموية تحفظ الكرامة والقيمة للمجتمعات المندمجة، وتجنب النماذج التي تفرض التبعية والذوبان في ثقافة وهوية أخرى.