التعقيدات الهوياتية في إيران: بين الإرث الفارسي والمذهب الشيعي
تشهد الساحة الإيرانية تجاذبات هوياتية معقدة تنعكس بوضوح في المواقف المتباينة للمعارضة الإيرانية في المهجر، حيث يقف رضا بهلوي، نجل آخر شاه إيراني، مؤيداً للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على بلاده، في مشهد يكشف عن طبقات عميقة من التناقضات الثقافية والسياسية التي تميز المجتمع الإيراني.
الهوية الإيرانية: نسيج معقد من التفاعلات الحضارية
تُعد الهوية الإيرانية من أكثر الهويات تعقيداً وتركيباً في العالم، إذ إنها نتاج تفاعل طويل ومستمر بين الحضارات القديمة والهويات القومية والانتماء الديني والحداثة. وبينما تخوض طهران حرباً مصيرية ويحتشد الإيرانيون في شوارع طهران تنديداً بالعدوان، يشارك إيرانيون آخرون بحماس في مسيرات مؤيدة للعدوان في الدول الأوروبية والولايات المتحدة.
يرفع هؤلاء المعارضون الأعلام الإيرانية القديمة التي تخص مرحلة العهد الملكي البهلوي جنباً إلى جنب مع أعلام إسرائيل، بل إن بعضهم بلغت به الخصومة حد الدفاع عن جرائم الآلة العسكرية الإسرائيلية في غزة نكاية في النظام الحاكم في البلاد.
الجذور الفارسية والتراث الزرادشتي
يشكل الانتماء الفارسي ركناً ركيناً في الهوية الإيرانية، فأكبر وأهم الأعياد التي يتم الاحتفال بها في البلاد هو عيد رأس السنة الشمسية "النيروز"، الذي يدشن بداية العام الإيراني في 21 مارس. تتواصل احتفالات النيروز أسبوعين تقريباً، وتمتلئ بالتقاليد الزرادشتية كالقفز فوق النار وغيرها من الطقوس التي تعكس عمق التراث الفارسي القديم.
ويُعد النص الأبرز في الأدب الفارسي هو "الشاهنامة" الملحمة الشعرية لأبي القاسم الفردوسي التي وصفها الأديب الإيراني محمد تقي بهار بأنها "قرآن العجم" لدورها في حفظ اللغة والثقافة الفارسية العتيقة، وتتكون من 60 ألف بيت يمتزج فيها التاريخ بالأساطير منذ بدء الخليقة.
المذهب الشيعي والتحول التاريخي
يُعد المذهب الشيعي الاثنا عشري المكون الثاني الأبرز في هوية إيران الحديثة باعتبارها أكبر مركز لمعتنقي المذهب في العالم. ظل المذهب السني سائداً في إيران حتى بداية القرن السادس عشر الميلادي حين ظهرت "الدولة الصفوية"، وقتها قرر الشاه إسماعيل الأول تبني التشيع مذهباً لها لتمييزها عن الدول المجاورة.
فُرض المذهب الاثنا عشري على الأغلبية السنية بالقوة، ونُفذ التحول بطريقة سريعة قادت إلى مجازر راح ضحيتها الآلاف من السكان، كما جرى هدم المساجد السنية والكثير من المزارات الصوفية، واستقدم الصفويون علماء الشيعة من سوريا والعراق وجبل عامل في لبنان لوضع الأساس الفكري للمذهب في إيران.
ثورة 1979 ونظرية ولاية الفقيه
مع اندلاع ثورة 1979، كان رجال الدين الأكثر حضوراً وتأثيراً مما مكنهم من تولي السلطة بزعامة روح الله الخميني الذي أسس نمطاً فريداً من الحكم الديني تحت مبدأ "ولاية الفقيه"، وتمتع بصلاحيات واسعة بصفته نائباً عن الإمام المنتظر.
سرعان ما جرت ترجمة هذه التحولات إلى نظريات سياسية تجاوزت حدود إيران نفسها، أبرزها نظرية "أم القرى" التي طورها محمد جواد لاريجاني، وهي نظرية تعتبر إيران قائدة للعالم الإسلامي بأسره، وتتصور مدينة قم الإيرانية بوصفها "أم قرى" العالم الإسلامي الممتد بين إندونيسيا وموريتانيا.
التوفيق بين الهويتين الفارسية والشيعية
لم تكن الهوية الدينية الشيعية لإيران انقلاباً على ماضيها الإمبراطوري الفارسي، حيث نجحت طهران في التوفيق بين الهويتين، وتم الالتفاف على التناقضات البنيوية بينهما. تذكر بعض المصادر الشيعية أن شهربانو ابنة يزدجرد، آخر أكاسرة الفرس، تزوجت من الحسين وأنجبت له زين العابدين.
ورغم أن هذه القصة لم تثبت تاريخياً، إلا أنها حازت شهرة وقبولاً كبيرين لأثرها في إيجاد تواصل رمزي بين تقدير آل البيت والوجدان الفارسي قبل الإسلام، فكان زين العابدين بحسب هذه القصة هو من امتزجت فيه دماء آل البيت والدم الملكي الفارسي.
التعددية العرقية والثقافية
تتسم إيران بكونها دولة ذات ماضٍ إمبراطوري وهو ما ينعكس عليها حتى اليوم، حيث إنها دولة مركزية تحكم جماعات وأقاليم مختلفة ثقافياً ولغوياً تحت إطار حضاري واحد. فالهوية الفارسية لا تحظى بالقبول من جانب العديد من الشعوب الأخرى كالأذريين والكرد والعرب والبلوش والتركمان.
تختلف هذه الشعوب في الانتماء العرقي واللغة والثقافة والمذهب الديني ونمط الحياة والعادات الاجتماعية. فالقبائل العربية في الأحواز تتشابه عاداتهم مع جيرانهم في جنوب العراق، ولا يكترثون كثيراً بالاحتفالات الفارسية، ويميل بعضهم للاحتفال بالأعياد بالتزامن مع الرؤية الشرعية للدول العربية المجاورة في الخليج وليس مع طهران.
تأثير الهوية على السياسة الخارجية
تحضر التأثيرات الثقافية دوماً في الخطاب السياسي الإيراني، ويتأثر تفاعل إيران مع المجتمع الدولي بهذه الموروثات الثقافية التي تعزز من نزعات الهيمنة، فالهوية الوطنية تبرز شعوراً بالتفوق على جيرانها العرب واعتزازاً بماضيها الإمبراطوري قبل الإسلام.
لا يقتصر تأثير الثقافة الإيرانية في السياسة الخارجية على البعد الرمزي وتبرير قرارات القادة، بل تكمن تلك الاعتبارات الثقافية في عمق الدوافع الأساسية لاتخاذ القرارات الكبرى. فالثقافة الإيرانية المشبعة بشعور التفرد والاستعلاء الحضاري هي منبع رؤية إيران لمكانتها بين دول العالم.
وهكذا لا تُعد الهوية الإيرانية كياناً جامداً، بل عملية مستمرة من التشكل، تتفاعل مع التاريخ والدين والسياسة والعالم الخارجي، مما يجعلها واحدة من أكثر الهويات تعقيداً وثراء في العالم، ولا يمكن فهم إيران إلا عبر إدراك هذا النسيج المركب الذي تتجاور فيه الأسطورة والدين والقومية والسياسة لتنسج تجربة حضارية لم تتوقف يوماً عن إعادة اختراع نفسها.