اتفاق واشنطن: فخ الفتنة يُزرع في قلب لبنان
يحمل الاتفاق الإطاري المُوقّع في واشنطن بين بيروت وتل أبيب في السادس والعشرين من يونيو، بذور فتنة داخلية خطيرة. فبينما يُلزم لبنان بنزع سلاح حزب الله وفق مسار محدد، يمنح الاتفاق إسرائيل هامشا واسعا للتحرك العسكري ويُبقي على احتلالها بحجة الدفاع عن النفس. هذا الاتفاق، الذي يُقصي فرنسا ويمنح أمريكا الرقابة المنفردة، ينقل مركز الثقل من المواجهة مع الاحتلال إلى صراع داخلي لبناني يخدم المشروع الإسرائيلي ويهدد استقرار المنطقة.
هل يُصمّم الاتفاق ليشعل حربا أهلية في لبنان؟
يُجمع المحللون على أن الاتفاق لا يشعل حربا أهلية بصورة مباشرة، لكنه يفتح مرحلة طويلة من الضغوط المتراكمة. ويوضح الخبير العسكري والمنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى قوات اليونيفيل، العميد منير شحادة، ثلاثة عوامل تحول دون الانزلاق السريع: تجنب قيادة الجيش اللبناني للصدام المباشر حفاظا على تماسكه، وتجنب حزب الله تاريخيا للحرب الداخلية خشية تحولها لصراع طائفي يستنزفه، ورفض أغلب القوى السياسية تكرار مأساة 1975. ويستخلص شحادة أن الاحتمال الأكثر ترجيحا ليس حربا أهلية شاملة، بل مرحلة طويلة من الضغوط والاشتباكات المحدودة.
من جهته، يحذر الباحث في مركز الجزيرة للدراسات، الدكتور شفيق شقير، من أن الاتفاق غير قابل للحياة إذا جرت محاولة تنفيذه كما هو معلن اليوم. ويشير شقير إلى أن التنفيذ السريع يحمل قابلية لإنتاج أزمة حادة، بينما التدرج مع تسويات سياسية يفتح نافذة لاحتواء التوتر، مؤكدا أن المحك الحقيقي هو إرادة الأطراف المحلية والإقليمية في تجنب الانفجار.
كيف يخدم الاتفاق المشروع الإسرائيلي ويستهدف المقاومة؟
أحدث الاتفاق تحولا خطيرا، فبدلا من ربط وقف إطلاق النار بالانسحاب الإسرائيلي كما كان في مسار سويسرا، أصبح نزع السلاح شرطا أساسيا لإنهاء القتال. هذا التحول خفف الضغط عن حكومة نتنياهو ونقل المعادلة إلى الداخل اللبناني. ويرى مدير مركز الاتحاد للأبحاث هادي قبيسي أن واشنطن وتل أبيب لجأتا إلى إيجاد فتنة محلية كبديل عن فشل سيناريو الحرب الإقليمية. ويستدرك قبيسي بأن المقاومة انطلقت أصلا في ظروف الحرب الأهلية في الثمانينيات وتطورت رغم ذلك.
أما المحلل السياسي أمين قمورية فيتساءل عما إذا كانت واشنطن توظف الورقة اللبنانية للضغط في مفاوضات أكبر تتصل بالملف النووي الإيراني ومضيق هرمز، وهو ما يطرح تساؤلات حول النوايا الأمريكية الحقيقية.
رفض حزب الله: هل يتجه نحو المواجهة أم التمهل؟
أعلن الأمين العام لحزب الله نعيم قاسر رفضه المطلق للاتفاد، واصفا إياه بأنه يُضفي شرعية على الوجود العسكري الإسرائيلي ويتجاوز كل الخطوط الحمراء. ويرى قمورية أن الحزب سيختار التمهل انتظارا لمسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية. ويحدد شقير ثلاثة عوامل تقوي هامش مناورة الحزب: قاعدته الشعبية، تحالفه مع حركة أمل، والدعم الإيراني المستمر، وبنيته التنظيمية المتماسكة رغم الخسائر.
غير أن هامش المناورة في تراجع مقارنة بما قبل الحرب. فالانخراط في نزاع داخلي سيكون أخطر على حزب الله من مواجهة إسرائيل، لأنه سيتحول إلى حرب طائفية مذهبية. ويقر شحادة بأن الحزب سيحاول كسب الوقت أكثر من البحث عن مواجهة جديدة، إلا إذا شعر أن الاتفاق يتحول إلى مسار ينهي قوته بالكامل.
الإقصاء الفرنسي والرقابة الأمريكية: أداة ضغط أم ضمان للتطبيق؟
أُخرجت فرنسا عمليا من آلية الرقابة رغم أنها كانت شريكا بعد اتفاق نوفمبر 2024، لتصبح الولايات المتحدة الطرف الخارجي الوحيد المشرف. ويلمح شقير إلى أن فرنسا كانت أكثر توازنا وأقل انحيازا، مما يضاعف الضغوط على الدولة اللبنانية ويضيق هامش مناورتها. ويقر شحادة بأن الرقابة الأمريكية تمثل أداة ضغط، لكن واشنطن تدرك أن الضغط المفرط قد يفجر الداخل ويفشل الاتفاق بالكامل.
ويخلص قبيسي إلى القول إن إذا كان الجيش غير مستعد للدخول في اشتباك مع المقاومة، فإن الاتفاق يسقط تلقائيا. وبذا تصبح الرقابة الدولية ورقة ضغط على الدولة اللبنانية قبل أن تكون ضمانا للتطبيق.
هل ينجو لبنان من فخ الفتنة الداخلية؟
يبقى الاتفاق الإطاري ذا لون رمادي أكثر منه بوابة واضحة نحو الاستقرار. ويقف لبنان عند مفترق طرق حقيقي: إما تسوية داخلية تحول الاتفاق إلى فرصة للملمة أطراف الدولة ومقدراتها، أو ضغط متراكم ينفجر فيخدم الاحتلال الخارجي أكثر مما يخدم أهل البلد وسيادته. وتتحدد ملامح المرحلة المقبلة وفق ثلاثة عوامل: مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، والقدرة اللبنانية على إدارة التنازع سياسيا لا أمنيا، ومدى التزام الأطراف الإقليمية بتجنب الانفجار.
هل يمثل إقصاء فرنسا نقطة ضعف في الاتفاق؟
نعم، إقصاء فرنسا يعني غياب الطرف الأكثر توازنا في آلية الرقابة المنشأة عقب اتفاق نوفمبر 2024. هذا الإقصاء يمنح واشنطن هامشا واسعا للضغط الأحادي الجانب على بيروت، ويضيق من هامش المناورة اللبنانية في ملف نزع السلاح، مما يضع الدولة اللبنانية تحت ضغوط أمريكية وإسرائيلية هائلة.
هل سيقبل حزب الله بنزع سلاحه بموجب هذا الاتفاق؟
يرفض حزب الله الاتفاق رفضا مطلقا، ويرى الأمين العام نعيم قاسر أنه يضفي شرعية على الوجود العسكري الإسرائيلي. سيختار الحزب التمهل وربح الوقت انتظارا لمسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ولن يندفع نحو مواجهة مسلحة مع الدولة اللبنانية إلا إذا شعر أن الاتفاق يتحول إلى مسار يهدد بإنهاء قوته بالكامل.