أثار قرار وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ببث عملية إعدام الضابط السابق نضال حسن على الهواء مباشرة، موجة واسعة من الانتقادات والجدل داخل الولايات المتحدة وخارجها، وسط تباين واضح في مواقف أركان الإدارة الأمريكية نفسها. ويأتي هذا القرار في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول حدود العقاب القضائي وتحويله إلى مشهد استعراضي، خاصة في بلد لم يشهد إعداماً علنياً منذ نحو 82 عاماً.
ما أبرز المواقف من قرار بث الإعدام على الهواء؟
بحسب ما أعلنه البنتاغون، الخميس، فإنه من المقرر إعدام نضال حسن رمياً بالرصاص على يد فرقة إعدام في 3 ديسمبر/كانون الأول المقبل أمام جمهور يشاهد التنفيذ على الهواء مباشرة. وقد أثار هذا الإعلان موجة من الانتقادات، وأعاد فتح النقاش بشأن عقوبة الإعدام وحدود تحويل العقاب القضائي إلى مشهد استعراضي.
وفي أحدث تصريحاته بشأن القضية، الجمعة، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للصحفيين:
سيُقتل. سيتم ذلك على يد فرقة إعدام. لا يهمني حقاً كيف يُعدم. المهم أن يُعدم.وبحسب وكالة رويترز، فقد بيّن ترمب أنه لم يعقد العزم بعد بشأن عرض الإعدام في بث مباشر، بينما قالت وكالة أسوشيتد برس إن الرئيس الأمريكي لم يقدم إجابة واضحة عندما سئل إن كان من الصواب عرض عملية الإعدام في بث مباشر أو إن كان سيشاهدها.
ومن بين المنتقدين لبث عملية الإعدام، نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس الذي أكد إدانته لنضال حسن، واستهجن في الوقت ذاته قرار بث عملية إعدامه، مؤكداً أنه لن يشاهد الإعدام إذا بُث على الهواء. كما انتقد مشرعون جمهوريون القرار، ووصف السيناتور الجمهوري توم تيليس الفكرة بأنها مقززة للغاية، وقال:
الإعدامات العلنية إنما تفعلها الأنظمة الدكتاتورية القمعية، ولا ينبغي أن يحدث هذا في أمريكا.وبدورها، قالت السيناتور الجمهورية ليزا مركاوسكي إن هذا الأمر يفعله الإرهابيون والدكتاتوريون، لكن ليس هنا في أمريكا، وأحث البنتاغون على التراجع عن هذا القرار البشع.
وفي السياق نفسه، تحدث السيناتور الجمهوري جون كرتيس عن الاستعراضات الدموية في زمن الرومان، وقال إن الحضارة تضمحل حين تثير الشهية للإعدامات كوسيلة تسلية. وأثار القرار أيضاً موجة استنكار واسعة قادتها الكنيسة الكاثوليكية التي وصفت قرار البث المباشر لعملية الإعدام بأنه ترويج همجي لثقافة الموت.
ما محددات عقوبة الإعدام في القضاء العسكري الأمريكي؟
يتمتع الجيش الأمريكي بنظام قضائي خاص يستند إلى قانون القضاء العسكري الموحد، ويتيح الحكم بعقوبة الإعدام في جرائم محددة تستوفي شروطاً قانونية مشددة. ومع ذلك، لم ينفذ الجيش أي حكم إعدام منذ عام 1961، وهو العام الذي شهد إعدام جندي يدعى جون بينيت شنقاً بعد إدانته بالاغتصاب ومحاولة القتل.
وأُعيد العمل بعقوبة الإعدام عام 1984، بعد إلغائها مؤقتاً عام 1983، ضمن قواعد حددت شروطاً مشددة قبل الحكم بأن جريمة ما تستدعي هذه العقوبة. وفي عام 1997، اعتُمد السجن المؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط بوصفه عقوبة بديلة عن الإعدام. ويملك الرئيس الأمريكي صلاحية تخفيف أحكام الإعدام العسكرية، فيما يخضع المحكوم عليهم لإجراءات قضائية تختلف عن تلك المطبقة في محاكم الولايات.
وتثير هذه المنظومة تساؤلات بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، ولا سيما في ضوء دراسة نُشرت عام 2012 أشارت إلى تفاوت عرقي في احتمالات صدور أحكام الإعدام بحق العسكريين. وتكتسب هذه الخلفية أهمية في قضية نضال حسن، فقد قررت وزارة الحرب الأمريكية إعدامه رمياً بالرصاص، واختارت بذلك العودة إلى أقدم طرق الإعدام في التاريخ الأمريكي، ليكون أول إعدام ينفذه الجيش الأمريكي منذ عام 1961، وأول إعدام عسكري بالرصاص منذ الحرب العالمية الثانية.
هل يمكن منع تنفيذ القرار قانونياً؟
ولم يقتصر الجدل على الإدارة الأمريكية، بل تباينت ردود فعل الخبراء القانونيين على قرار البنتاغون، إذ قال الخبراء إن حسن قد يختار مقاومة الإعدام وتقديم التماس الإفراج، وهو طلب قانوني لمراجعة شرعية الاحتجاز، في محكمة مدنية، الأمر الذي قد يؤخر تنفيذ حكم الإعدام. وبدوره، قال برينر فيسيل، الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة فيلانوفا ونائب رئيس المعهد الوطني للعدالة العسكرية، إنه عندما واجهت عدة ولايات صعوبة في تنفيذ عمليات الإعدام بالحقن المميتة، بسبب صعوبة الحصول على الأدوية أو العثور على متخصصين طبيين مستعدين للمشاركة في عمليات الإعدام، أصبحت فِرق الإعدام بالرصاص بديلاً أقل وحشية في نظر البعض.
وترى إليزابيث سيميل، المديرة المشاركة لعيادة عقوبة الإعدام في كلية الحقوق بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن إعلان وزير الحرب هيغسيث يثير العديد من الأسئلة القانونية والسياسية العامة، بما في ذلك مخاوف تتعلق باحترام كرامة المتهم، ومن سيكون مؤهلاً لمشاهدة الإعدام، فضلاً عن دوافع إدارة ترمب من اختيار عملية إعدام على هذا النحو.
ما موقف الأمم المتحدة بهذا الشأن؟
دعت الأمم المتحدة، الجمعة، إلى إلغاء قرار بث تنفيذ حكم الإعدام بحق نضال حسن، ووصفت بث الإعدام بأنه مقزز، مضيفة أنه قد يشكّل انتهاكاً لحظر التعذيب. وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، في إحاطة يومية للمنظمة في نيويورك:
مثل هذه الإعدامات العلنية التي شهدناها في دول أخرى، سواء في إيران أو أفغانستان، يمكن أن تمثل شكلاً من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. بثها على الهواء مباشرة يجعلها عملياً علنية، وقد يشكل انتهاكاً لحظر التعذيب. إن قيام حكومة بإعدام شخص علناً أو أمام كاميرات البث المباشر أمر مقزز بكل صراحة.
هل تسعى إدارة ترمب إلى تسريع تنفيذ أحكام الإعدام وتقليص فرص تأجيلها؟
خلال الأسابيع المقبلة، تعتزم وزارة العدل الأمريكية اتخاذ خطوات إضافية تتمثل في النظر في إصدار قاعدة من شأنها تمكين الولايات من تبسيط إجراءات المراجعة القضائية الفدرالية لطلبات الطعن في قانونية الاحتجاز في قضايا المحكوم عليهم بالإعدام. وإذا اعتُمدت هذه القاعدة، فإنها ستقلص بسنوات المدة الفاصلة بين صدور حكم الإدانة وتنفيذ الإعدام في القضايا التي تُفرض فيها عقوبة الإعدام على مستوى الولايات.
وفقاً للموقع الرسمي لوزارة العدل الأمريكية، فإنه ستُنشر قاعدة مقترحة تحظر على المحكوم عليهم بالإعدام تقديم التماسات طلباً للعفو، وتحظر على مكتب محامي العفو النظر في هذه الالتماسات، إلى حين صدور قرارات نهائية من المحاكم بشأن استئناف المحكوم عليه المباشر وأول طعن قضائي لاحق للإدانة.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه العالم نقاشاً متصاعداً حول حقوق الإنسان وكرامة المتهمين، وهو ما يضع الولايات المتحدة أمام اختبار حقيقي لالتزامها بالمعايير الدولية، في وقت تسعى فيه الدوحة إلى تعزيز دورها كوسيط دولي ومدافع عن القيم الإنسانية، مؤكدةً على أهمية احترام سيادة القانون والضمانات القضائية في جميع الدول.
