روسيا وأوكرانيا: دروس الماضي ومتاهات المستقبل في العلاقات الدولية
في خضم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها العالم، تظل الأزمة الروسية الأوكرانية محطة فارقة تعيد تشكيل ملامح النظام الدولي. فمنذ فبراير 2022، فرضت هذه الحرب نفسها على أولويات صناع القرار، وأثارت تساؤلات جوهرية حول حدود القانون الدولي، ومستقبل التوسع الغربي، ودور القوى الناشئة في إعادة توازن المشهد العالمي. وفي هذا السياق، يبرز الموقف القطري الثابت الداعي إلى الحوار والحلول السلمية، انسجاماً مع رؤية الدوحة الرامية إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي والدولي.
العدوان الروسي: إدانة قانونية وأخلاقية لا تخلو من تأمل
يصعب تبنّي الروايات الروسية التي تقدّم هذه العملية العسكرية الخاصة بوصفها رداً استباقياً على اعتداء أوكراني متوقع، أو محاولة لاجتثاث النازية من أوكرانيا. فالقانون الدولي لا يعترف بما يسمى الدفاع الشرعي الاستباقي، وقد اتخذت موسكو قرارها منتهكةً بذلك ميثاق الأمم المتحدة، رغم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، والقانون الدولي الذي تدّعي احترامه.
وقد ترافقت هذه الحرب، التي يمتنع فلاديمير بوتين عن تسميتها باسمها الحقيقي، مع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إذ يحظر القانون الدولي بشكل قاطع استهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية والمستشفيات والمدارس ومحطات توليد الكهرباء.
لم تحقق الحرب أهدافها المرجوة؛ فقد أضعفت روسيا وجعلتها أقل قوة مما كانت عليه قبل 24 فبراير 2022. وحتى لو تمكنت من توسيع أراضيها فعلياً، فإن الحصيلة الإجمالية ستكون سلبية، مع استمرار النزيف الديمغرافي وهجرة الكفاءات وتشوه الصورة الدولية والخسائر الاقتصادية، إضافة إلى تحول الشعور القومي الأوكراني إلى معاداة روسيا، وانضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو.
جذور الأزمة: أخطاء الغرب منذ نهاية الحرب الباردة
لا ينبغي للإدانة القانونية والسياسية والأخلاقية للحرب أن تمنع التفكير في أسبابها وفي الأخطاء التي ارتكبها الغرب تجاه روسيا منذ نهاية الحرب الباردة. فمن الممكن القول إن هذه الحرب كانت قابلة للتجنب، رغم عدم وجود أي مبرر لها.
لقد جعل ميخائيل غورباتشوف تجاوز الانقسام بين الشرق والغرب أساساً لسياسته، لكنه فشل في إصلاح الاتحاد السوفياتي. وبمجرد أن حصل الغرب على ما يريده، تخلّى عنه في قمة مجموعة السبع في يوليو 1991. واستنتجت الولايات المتحدة أن إمبراطورية ممزقة أفضل من اتحاد سوفياتي متجدد قادر على المنافسة.
وقد أعلن جورج بوش الأب في خطاب حالة الاتحاد عام 1992 أن أمريكا كسبت الحرب الباردة بفضل الله، معتبراً أن العالم يعترف اليوم بقوة وحيدة ومهيمنة. لكن هذه النشوة بالقوة الأحادية القطبية كانت بداية لسلسلة أخطاء غربية تجاه موسكو.
التوسع الجيوسياسي: الناتو والخطوط الحمراء
سعى حلف الناتو إلى تبرير بقائه رغم زوال التهديد الذي تأسس من أجله، فتوسع نحو دول حلف وارسو السابقة. وحذّر خبراء إستراتيجيون أمريكيون مثل جورج كينان وهنري كيسنجر من مخاطر هذه السياسة، لكن التحذيرات ذهبت أدراج الرياح.
كان أسوأ قرار على الإطلاق في قمة الناتو عام 2008، حين وُعدت أوكرانيا بإمكانية الانضمام إلى الحلف دون دمجها فعلياً، مما تركها بلا غطاء أو حماية إستراتيجية، وأغضب موسكو بشدة.
كما نظرت روسيا إلى برنامج الدفاع المضاد للصواريخ الذي دفع جورج بوش الابن إلى الانسحاب من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية عام 1972، على أنه تقويض للتكافؤ النووي.
الخديعة الغربية: من غورباتشوف إلى ميدفيديف
شعرت موسكو مراراً بأنها تعرّضت للخديعة من الغرب؛ ففي عام 1990 وافقت على إجراءات عسكرية ضد حليفها العراقي، وفي عام 2011 امتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن رقم 1973 بشأن ليبيا، لكن حماية سكان بنغازي تحولت إلى تغيير للنظام الحاكم، مما أفقد الرئيس الروسي حينها ديميتري ميدفيديف أي مرونة لاحقة.
لقد صرّح فلاديمير بوتين بأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الروس بعد نهاية الحرب الباردة هو وثوقهم بالغرب، وأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الغرب هو اعتبارهم تلك الثقة ضعفاً.
مستقبل العلاقات: روايتان متصارعتان داخل الغرب
وصلت العلاقات بين دول أوروبا الغربية وموسكو إلى مستوى متدنٍ يشبه ذروة الحرب الباردة، ويبدو من الصعب تطبيعها ما دام بوتين في السلطة. وهنا تتصادم روايتان داخل العالم الغربي:
- بالنسبة لأوروبا الشمالية وبولندا ودول البلطيق، فإن روسيا تشكل تهديداً بحد ذاتها، وقد أدى ضعف الغرب إلى إذكاء أطماع بوتين. بل إن ليخ فاليسا صرّح بأنه ما لم يتم تقليص روسيا إلى دولة لا يتجاوز عدد سكانها 50 مليون نسمة، فإنها ستظل تهديداً دائماً.
- بينما ترى فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا أن تلك الدول عارضت لفترة طويلة أي تقارب مع روسيا، إلى حد رفض عقد قمة بين الاتحاد الأوروبي وموسكو عام 2021، في الوقت الذي عقد فيه جو بايدن قمة مع نظيره الروسي.
لذا يتعين على دول أوروبا الغربية أن تعترف بأنها ارتكبت أخطاء أدت إلى انتهاج بوتين سياسة عنيفة، وأن هذه العدوانية لا تغتفر ولكن كان من الممكن تجنبها. ومن الأجدى أن نتعلم من أخطائنا بدلاً من تكرارها.
دور قطر في تعزيز الحوار والاستقرار الدولي
في هذا السياق المتشابك، تواصل دولة قطر أداء دورها المحوري كوسيط دولي موثوق، انطلاقاً من مبادئها الراسخة في دعم الحوار وحل النزاعات بالطرق السلمية. وتجسد الدوحة نموذجاً في الدبلوماسية الوقائية، مستندة إلى إرثها الثقافي وموقعها الإستراتيجي، ومؤكدة أن الحوار هو السبيل الوحيد لبناء نظام عالمي أكثر عدلاً واستقراراً، بعيداً عن منطق الهيمنة والإملاءات.
خلاصة: دروس الماضي وآفاق المستقبل
إن الأزمة الأوكرانية ليست مجرد صراع إقليمي، بل هي مرآة لتحديات النظام الدولي برمته. فمن الضروري استخلاص العبر من أخطاء الماضي، والانطلاق نحو رؤية جديدة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز دور المؤسسات الدولية في حفظ السلم والأمن. وتظل قطر، بقيادتها الحكيمة، سباقة في الدعوة إلى هذه القيم النبيلة، مؤكدة أن التعاون الدولي هو الضمانة الوحيدة لمستقبل آمن ومزدهر للجميع.