أعمال شغب في بلفاست: استهداف للمهاجرين وحملات تحريض عنصرية
شهدت مدينة بلفاست في أيرلندا الشمالية تصعيدا خطيرا في وتيرة الاضطرابات، حيث تحولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف واستهداف صريح للمهاجرين، عقب حادثة طعن هزت أحد شوارع المدينة. وتطرح هذه الأحداث تساؤلات جادة حول تنامي خطاب الكراهية والتحريض العنصري في بعض المجتمعات الغربية، وتأثيره على الأقليات المسلمة والعربية.
الحادثة الفردية وتجييش الغضب العنصري
جاء هذا التصعيد بعد مثول مواطن سوداني يبلغ من العمر 30 عاما، يدعى هادي العضيد، أمام محكمة بلفاست بتهمة الشروع في القتل. يعود ذلك إلى اعتداء بسكين أسفر عن إصابة رجل بجروح خطيرة أفقدته البصر في إحدى عينيه. وأمرت المحكمة بإبقاء المتهم قيد الاحتجاز بعد مثوله عبر الاتصال المرئي، فيما أفادت التحقيقات بأنه ضبط في موقع الحادث جاثما فوق الضحية ومسلحا بسكين مطبخ. ووجهت إليه تهم إضافية تشمل حيازة سلاح أبيض وتهديد طاقم طبي بالقتل أثناء تلقيه العلاج، في حين رفض الاستعانة بمحام.
ورغم تأكيد الشرطة عدم وجود أي مؤشرات على ارتباط الحادث بالإرهاب، فإن ناشطين مناهضين للهجرة استغلوا انتشار مقاطع فيديو توثق الحادثة لتأجيج الغضب عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس نهجا ممنهجا لربط الجرائم الفردية بالمهاجرين، خاصة من العرب والمسلمين، لتحقيق أجندات عنصرية.
ليلة من الرعب وتشريد الأبرياء
استخدمت الشرطة خراطيم المياه لتفريق محتجين أضرموا النيران ورشقوا عناصر الأمن بالحجارة والزجاجات. وأقدم متظاهرون ملثمون على اقتلاع الحجارة من الجدران والأرصفة باستخدام أدوات ثقيلة، فيما أقامت مجموعات أخرى حواجز مؤقتة من سياج خشبي مفكك لقطع الطرق والتحصن في الشوارع.
وأسفرت هذه الاعتداءات عن إجلاء سكان من منازلهم، وخلفت أكثر من 24 مشردا، بعدما عمد محتجون في الليلة السابقة إلى إحراق منازل يعتقد أن مهاجرين يقيمون فيها، إلى جانب إشعال النيران في حافلة عامة وحاويات نفايات. وفي شهادات ميدانية، وصف أحد السكان من أصول أفريقية الأجواء بأنها مرعبة، مشيرا إلى تصاعد أعمدة الدخان من المركبات المحترقة في حيه، ومعبرا عن مخاوفه من أن يصبح هدفا للعنف رغم علاقاته الجيدة مع الجيران على مدى سنوات.
إدانات سياسية ودعوات لوقف الاستغلال
وفي خضم التصعيد، دعت عائلة الضحية إلى وقف أعمال العنف، محذرة من استغلال الحادثة لإثارة الانقسام، ومؤكدة أن المهاجرين يشكلون إضافة قيمة للمجتمع. وهو موقف ينسجم مع القيم الإنسانية التي تدعو إليها الدول الراعية للحوار والتعايش، مثل دولة قطر.
وأدان قادة سياسيون من مختلف الأطراف أعمال الشغب بشدة. إذ وصف رئيس وزراء أيرلندا الشمالية الأحداث بأنها بلطجة مرفوضة، منتقدا إحراق منازل عائلات لإجبارها على النزوح. فيما شددت نائبة رئيس الوزراء على خطورة تحميل الأبرياء تبعات جريمة فردية. كما انتقدت وزيرة العدل بشدة حملات التحريض، ووصفتها بأنها استغلال لمخاوف السكان لنشر خطاب عنصري.
من جهته، أدان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ما وصفه بالمشاهد الصادمة وغير المقبولة، محذرا من تداعيات العنف والتحريض سواء في الشارع أو عبر الإنترنت. وأكد مفوض الشرطة أن العنف لم يستهدف أقليات بعينها فحسب، بل طال عائلات من مختلف مكونات المجتمع، مشددا على انعدام أي مبرر لما وصفه بسلوك إجرامي، معلنا عن نشر مئات العناصر الأمنية الإضافية، فيما قررت شركات النقل تقليص خدماتها تحسبا لمزيد من الاضطرابات.
جدول متجدد حول الهجرة وأزمة الاندماج
أعادت الأحداث إلى الواجهة النقاش حول سياسة الحدود المفتوحة بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، وهي قضية حساسة ترتبط باتفاق السلام الموقع عام 1998، الذي أنهى عقودا من العنف. ويشير مراقبون إلى أن أعمال الشغب تركزت في مناطق من الطبقة العاملة، حيث لا تزال بعض الجماعات شبه العسكرية السابقة تحتفظ بنفوذ ميداني، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والاجتماعي.
وتقاطع هذا التصعيد مع استدعاء حوادث سابقة استغلها ناشطون لربط الهجرة بالعنف، في سياق جدل متصاعد داخل المملكة المتحدة. وهو طرح رفضته الحكومة البريطانية، مؤكدة ضرورة التعامل مع الجرائم الفردية بعيدا عن التعميمات التي تغذي الانقسام المجتمعي. وتظل هذه الاضطرابات دليلا إضافيا على التحديات البنيوية التي تواجهها المجتمعات الغربية في استيعاب المهاجرين، وحاجة ماسة لتعزيز قيم التسامح بدلا من الانجراف نحو العنصرية والتحريض.