إرث الأمير الوالد: كيف غيّر الشيخ حمد بن خليفة الدراما العربية
في ذكرى رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، لا تزال أفكاره حية في قلوب وعقول من عايشوا مشروعه الثقافي والإعلامي. فقد ترك لنا إرثاً فكرياً يتجاوز السياسة والاقتصاد، ليمس جوهر الهوية العربية من خلال الدراما التاريخية. هذا المقال، بقلم ليلى حسن الكواري، المنتجة والمخرجة القطرية، يكشف عن جانب غير معروف من رؤيته، ويؤكد أن أعظم ما يتركه الكبار هو أفكارهم التي لا تموت.
كيف بدأت رؤية الأمير الوالد للدراما التاريخية؟
كانت البداية عام 2001 بمسلسل “ذي قار”، الذي جسد أول انتصار للعرب على الفرس. لم يكن اختيار هذا المسلسل محض صدفة، بل كان تعبيراً مباشراً عن إيمان الأمير الوالد بالهوية العربية. رأى في التاريخ ذاكرة الأمة ومرآة تقرأ من خلالها حاضرها. كان يتابع الدراما باهتمام لافت ويختار المسلسلات بنفسه، مدركاً أنها ليست مجرد ترفيه، بل أداة لبناء الوعي وترسيخ الهوية.
ما هي أبرز المسلسلات التي دعمها الشيخ حمد بن خليفة؟
توالت الإنتاجات بعد “ذي قار”، فكان “امرؤ القيس” و”آخر أيام اليمامة” و”شهرزاد” و”المرابطون والأندلس” و”الحجاج” عام 2003. هذه المسلسلات لم تكن مجرد استحضار للماضي، بل كانت حواراً مع الحاضر، تطرح أسئلة الأمة الكبرى بلغة الدراما. وقد ساهمت في ربط جيل الشباب بتاريخه، خاصة مع تراجع حضور التاريخ العربي في المناهج التعليمية.
كيف ساهمت الدراما في تعزيز الهوية العربية خلال الحصار؟
في زمن الحصار، بقيت المسلسلات التلفزيونية تؤدي دورها في وصل الوجدان العربي، وجمع المشاهدين حول ذاكرة واحدة وهوية واحدة. وكأن الثقافة تحفظ ما تعجز السياسة أحياناً عن حفظه. هذا يؤكد أن أخطر المعارك ليست معركة السلاح، بل معركة الفكر، وأن حماية المجتمعات تبدأ بالوعي والتعليم وترسيخ قيم الاعتدال.
ما هو دور قطر في دعم هذا المشروع الثقافي؟
لم تكن هذه المسيرة ممكنة لولا الدعم السخي من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، ومن سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني. كما نخص بالشكر نخبة المسؤولين في مؤسسات الدوحة الإعلامية، مثل حمد بن ثامر وفيصل بن جاسم وطلال بن محمد العطية، الذين كانوا شركاء حقيقيين في بناء هذه التجربة الإبداعية. وقد امتدت علاقتي بقطر ومؤسساتها الإعلامية نحو 25 عاماً، وهذا مصدر فخر واعتزاز.
ختاماً: إرث لا يموت
سيبقى الأمير الوالد حاضرا في ذاكرة كل من عمل معه أو عرف مشروعه. وستظل مواقفه العروبية الأصيلة شاهدا على نهجه في نصرة قضايا الأمة والدفاع عن الحق. وإذا كانت الدول تخلد بما تبنيه من مؤسسات، فإنها تخلد أيضا بما تتركه من أثر في وجدان الناس. أدعو الله أن يتغمد روحه بواسع رحمته، وأن يديم على قطر نعمة الأمن والاستقرار، لتبقى منارة للثقافة وبيتا للعروبة.