واشنطن: تتحول انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقبلة إلى اختبار حقيقي للحزب الجمهوري، إذ تتقدم قضايا الفساد وسياسات الترحيل والتمييز العرقي على ملفات الحملة الانتخابية، وسط تراجع في شعبية إدارة الرئيس دونالد ترمب بين فئات ناخبة كانت تشكل قاعدة داعمة له.
وتحمل هذه المعركة دلالات تتجاوز الحدود الأمريكية، فهي تكشف عن نمط في الحكم يقوم على الاستقطاب الداخلي وسياسات تُخضع الأقليات لضغوط متصاعدة، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة جديدة لدور واشنطن على الساحة الدولية.
الفساد من جريمة إلى تفسير لغلاء المعيشة
أعاد الحزب الديمقراطي صياغة خطابه المناهض للفساد، فانتقل من تقديمه بوصفه جريمة سياسية إلى تفسير لارتفاع تكاليف السكن والرعاية الصحية والمعيشة، بحسب ما أوردته صحيفة بوليتيكو. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة بلو روز ريسيرش بالتعاون مع مجموعة وينينغ جوبز نارّاتيف أكشن أن هذا الربط رفع تأييد الناخبين للمرشحين الديمقراطيين للكونغرس بنحو ثلاث نقاط مئوية.
وأنفق الديمقراطيون منذ أبريل/نيسان الماضي نحو 104 ملايين دولار على إعلانات انتخابية تتناول ملف الفساد، مقابل 36 مليون دولار أنفقها الجمهوريون. ويستند الخطاب الديمقراطي إلى أن النظام السياسي منحاز لمصلحة الأثرياء والشركات الكبرى على حساب المواطن العادي.
ويرى الاستراتيجي الديمقراطي جيسي فيرغسون أن هذا التحول يمنح المرشحين فرصة لاستثمار الاستياء الشعبي دون حصر حملاتهم في مهاجمة ترمب شخصيا. أما الجمهوريون فيرفضون ما يصفونه باحتكار الديمقراطيين للملف، ويتهمونهم بالنفاق السياسي مستشهدين بقضايا احتيال في برامج حكومية بولاية مينيسوتا.
التمييز العرقي يهدد قاعدة الجمهوريين
في تحليل نشرته صحيفة ذا هيل، يرى الكاتب خوان ويليامز أن السياسات العرقية لإدارة ترمب أصبحت عاملا مؤثرا في المعادلة الانتخابية، خصوصا في ولاية فلوريدا التي تضم أعدادا كبيرة من الناخبين اللاتينيين والسود. فقد تراجعت نسبة تأييد ترمب بين الناخبين اللاتينيين إلى 27% وفق استطلاع لشبكة إن بي سي، فيما أظهر استطلاع آخر أن 66% منهم يرون أن تعامل الإدارة مع الهجرة غير النظامية تجاوز الحدود المقبولة.
ويواجه الجمهوريون معضلة حقيقية: فبينما يحاول بعض مرشحيهم الابتعاد عن سياسات الترحيل، يتمسك آخرون بالدفاع عنها لكسب تأييد القاعدة المحافظة. ويبرز النائب بايرون دونالدز، المرشح لمنصب حاكم فلوريدا، مثالا على الذين يساندون حملة الترحيل في مواجهة منافسه الديمقراطي ديفيد جولي. ويحذر ويليامز من أن تجاهل البعد العرقي قد يكلف الجمهوريين أصواتا حاسمة في جنوب فلوريدا، حيث يمكن لتحول أصوات اللاتينيين أن يغير المنافسة على مقاعد مجلس النواب.
الترحيل الجماعي يضرب الاقتصاد الأمريكي
تشير صحيفة الغارديان البريطانية إلى أن حملة الترحيل الجماعي التي وعد بها ترمب لم تعد قضية تخص المهاجرين وحدهم، بل امتدت آثارها إلى حياة الأمريكيين والقطاعات الاقتصادية كافة. ففي فلوريدا، أفاد أصحاب المطاعم والفنادق بأن انتشار عناصر إدارة الهجرة والجمارك يخيف العمال والزبائن، وفي كانساس حذر مربو الماشية من أن المداهمات تعطل وصول العمال المهرة وتهدد إنتاج اللحوم وترفع الأسعار.
وتوضح الصحيفة أن نحو ثلثي العاملين في قطاع الزراعة الأمريكي مهاجرون غير مواطنين، وأن استهدافهم قد يؤدي إلى نقص العمالة وارتفاع تكاليف الغذاء، فيما تواجه المطاعم ومؤسسات رعاية المسنين والقطاع الصحي تحديات مماثلة بسبب اعتمادها على العمالة المهاجرة.
ارتدادات انتخابية ورسالة متقاطعة
ولا تقتصر التداعيات على الاقتصاد، إذ أظهر استطلاع أن نصف الأمريكيين تقريبا يرون أساليب الإدارة في تنفيذ قوانين الهجرة مفرطة في التشدد، كما أفاد أكثر من ربع الناخبين اللاتينيين بأنهم يعرفون شخصا احتجزته سلطات الهجرة أو رحلته منذ بدء ولاية ترمب الثانية. وتشير هذه المخاوف إلى احتمال عزوف بعض الناخبين عن التصويت الحضوري، بما يضيف بعدا جديدا إلى المعركة الانتخابية.
وتتقاطع الملفات الثلاثة، الفساد والتمييز العرقي والهجرة، في رسالة واحدة مفادها أن سياسات الإدارة الأمريكية تؤثر مباشرة في دخل الأسر وأمنها ومستقبلها. ويأمل الديمقراطيون تحويل هذا الغضب إلى مكاسب في الكونغرس، بينما يحاول الجمهوريون تحميل خصومهم مسؤولية الفساد وإخفاقات الحكم. وتبقى النتائج، أيا كانت، مؤشرا على اتجاه الشارع الأمريكي نحو سياسات أثبتت أنها لا تخدم الاستقرار الداخلي ولا صورة واشنطن لدى الشعوب التي تتابع مسارها عن كثب.
