كشف تقرير نشرته الجزيرة بتاريخ 15 أكتوبر 2026 تفاصيل جديدة حول علاقة الشاعر السوداني الكبير محمد الفيتوري بملف اختفاء الإمام موسى الصدر، الذي ظل من أعقد القضايا السياسية في المنطقة العربية منذ نحو نصف قرن.
وبحسب التقرير، فإن الفيتوري لم يكن سياسيا محترفا، غير أن السياسة جرجرته إلى أحد أخطر ملفاتها، وكاد يودي بحياته حين اختطفته مليشيات لبنانية في بيروت عقب اختفاء الإمام الصدر في الأسبوع الأول من أغسطس 1979، ثم أفرجت عنه بعد أيام قضاها بين الموت والحياة.
كيف بدأت القصة؟
يقول تقرير الجزيرة إن الفيتوري رافق السفير الليبي في لبنان آنذاك أبوبكر الفرجاني في مطلع أغسطس 1979 للقاء الإمام موسى الصدر، وتسليمه دعوة من العقيد معمر القذافي لزيارة ليبيا والمشاركة في احتفالات ذكرى الفاتح من سبتمبر وحضور مؤتمر إسلامي عالمي. وكان الفيتوري يعمل وقتها ملحقا ثقافيا بالسفارة الليبية في بيروت.
وبعد اختفاء الإمام الصدر، وهو الاختفاء الذي اتهم فيه القذافي بتدبيره، تعقبت عناصر من مليشيا شيعية لبنانية الشاعر في شوارع بيروت، وأنزلوه من سيارته واقتادته إلى محبس مظلم متنقل بين بيروت وجنوب لبنان. وظل لعدة أيام يواجه الموت عن قرب، حسب ما وثق التقرير.
الشعر الذي أنقذ حياته
الذي أنجى الفيتوري من مصير محقق، كما يروي التقرير، أن مختطفيه انتبهوا إلى أن لهجته ليست ليبية، بل سودانية ممزوجة بلكنة مصرية، فعرفوا أنه الشاعر الكبير الذي سحبت منه جنسيته السودانية ومنحته ليبيا جوازها الدبلوماسي. وفي المحبس انشد لخاطفيه قصائده التحررية الأفريقية، فتحول المكان الموحش إلى ساحة إعجاب، ثم أطلقوا سراحه.
وقال الفيتوري في طرابلس ذات يوم عن تجربة الاختطاف:
أنقذني شعري وحنجرتي
ويشير التقرير إلى أن الراجح هو أن ليبيا تدخلت عبر عدد من مسؤوليها، منهم العقيد محمد المجذوب، لدى قوى سياسية لبنانية وإيرانية ومنظمات فلسطينية وشخصيات عربية نافذة للإفراج عن الشاعر.
لماذا سحبت منه الجنسية السودانية؟
قبل ذلك، كان الرئيس السوداني جعفر نميري قد سحب الجنسية السودانية من الفيتوري بعد أن نشر قصيدة حارقة رثى فيها عبد الخالق محجوب، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، الذي أعدمه نميري عقب انقلاب يوليو 1971. وحملت القصيدة عنوان اضطربت نجمة في مداراتها، وجاء فيها:
أمس مر طاغية من هنا... أتى فوق دابة وتسلق مجدا وحاصر شعبا وغاص في جسمه... ثم هام بعيدا ونصب نفسه للفجيعة ربا
فطفق الشاعر متجولا بين القاهرة وبيروت وطرابلس، حتى منحه القذافي الجنسية الليبية وجوازا دبلوماسيا وعينه ملحقا ثقافيا بالسفارة الليبية في روما عام 1976، ثم نقل إلى بيروت، العاصمة الأثيرة لديه، وفيها نشر دواوينه وصحب جمهرة الشعراء والأدباء.
من الجنينة إلى الأزهر: جذور رجل من ثلاثة بلدان
ولد محمد الفيتوري بمدينة الجنينة غربي السودان في مطلع عام 1930، كما روى بنفسه للإذاعة السودانية عام 1988، وإن كانت الوثائق الرسمية تكتب أنه من مواليد 1936. وتحمل قصة أسرته ملامح تاريخ المنطقة المضطربة، فجده رجب، الذي حمل لقب الفيتوري، اختطف من مناطق دار مساليت بغرب دارفور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبيعه في الساحل الليبي وعمره ستة عشر عاما.
واشترته أسرة من مدينة زليتن الليبية، لكنها عدلت عن استعباده حياء وخوفا من استعباد فتى يافع يحفظ القرآن الكريم، فأسندوا إليه تعليم أطفالهم وتحفيظهم القرآن. وتزوج فتاة مختطفة من نفس مناطق دار مساليت، وأنجب ابنه مفتاح الذي أرسل مع أترابه الليبيين إلى الأزهر الشريف في مطلع القرن العشرين. وتخرج مفتاح في الأزهر وعمل موظفا بهيئة الري المصري، وتزوج عزيزة علي سعيد ذات الأصول النوبية والعربية الليبية، ثم انتقل للعمل بالسودان حيث ولد الشاعر.
وقال الفيتوري في لقاء عام 1996 بالفندق الكبير بطرابلس:
كل أشعاري الأفريقية وعن التحرر الأفريقي والعبودية استلهمتها من حكايات جدتي التي كانت ضحية الاختطاف من تجار الرقيق الأوروبيين
مسيرة شعرية وأفريقيات صاخبة
تخرج الفيتوري في دار العلوم بمصر، ثم عاد إلى الخرطوم حيث عمل بالصحافة وترأس مجلة الإذاعة والتلفزيون. وأشعلت دواوينه الأفريقية المشهد الشعري العربي، والتزم قضايا أفريقيا ومقاومة الاستعمار ودعم حركات التحرر الأفريقية والقضية الفلسطينية والتزامه العروبي الذي لا جدال فيه، كما يذكر تقرير الجزيرة.
وقال عنه الشاعر العراقي الكبير عبد الرزاق عبد الواحد:
عندما يصعد الفيتوري المنصة لإلقاء شعره يتحول إلى غول أفريقي
وفي أواخر أيامه منحته الحكومة السودانية جوازا دبلوماسيا لم يستخدمه قط، لأن رحلته الأخيرة يوم 24 أبريل 2015 لم تتطلب جواز سفر. ودفن في مقبرة سيدي مسعود بحي الرياض في المغرب بعد أن ناهز الخامسة والثمانين عاما، خلفه تاريخ حافل بقصائد ما زالت حاضرة في وجدان القراء العرب والأفارقة.
أسئلة شائعة
ما علاقة محمد الفيتوري باختفاء موسى الصدر؟
رافق الفيتوري السفير الليبي أبوبكر الفرجاني في أغسطس 1979 لتسليم الإمام موسى الصدر دعوة من معمر القذافي لزيارة ليبيا، وبعد اختفاء الصدر اختطفته مليشيا لبنانية بوصفه دبلوماسيا ليبيا له دور في تسليم الدعوة، ثم أفرجت عنه بعد أيام.
لماذا سحبت الجنسية السودانية من الفيتوري؟
سحب الرئيس جعفر نميري الجنسية من الشاعر بعد نشره قصيدة رثى فيها عبد الخالق محجوب، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، الذي أعدمه نميري عقب انقلاب يوليو 1971.
متى وأين توفي محمد الفيتوري؟
توفي يوم 24 أبريل 2015 ودفن في مقبرة سيدي مسعود بحي الرياض بالمغرب، بعد مسيرة شعرية امتدت من السودان إلى مصر وليبيا ولبنان والمغرب.
