تناولت حلقة بثت في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 من برنامج «غاليريتا» عبر منصة الجزيرة 360 مسار الأغنية الجزائرية في فرنسا، وكيف تحولت من وسيلة لحفظ الذاكرة الوطنية داخل مقاهي المهاجرين إلى فن عابر للثقافات يقدمه أبناء الجالية على مسارح باريس ومارسيليا، وفق ما أفادت الجزيرة في تقريرها المطول.
الرحلة التي رصدتها الحلقة تمتد على أكثر من قرن، منذ أن دفعت الظروف الاقتصادية والاستعمارية أعدادا من الجزائريين إلى مغادرة بلادهم أواخر القرن التاسع عشر بحثا عن العمل في فرنسا، قبل أن تتوسع حركة الهجرة مع انتقال العمال بعد الحرب العالمية الثانية. ومن هذا التاريخ الممتد بين الضفتين، وُلد صوت غنائي حمل هموم الوطن إلى المنفى، ثم عاد ليهز المسارح العالمية.
مقاهي الغربة: حيث وُلدت الذاكرة الغنائية
مع استقرار المهاجرين الجزائريين في مدن مثل باريس ومارسيليا، تحولت المقاهي إلى فضاءات للقاء وتبادل الأخبار والغناء، ومتنفسا يستعيد فيه العمال لغتهم وذكرياتهم وصلاتهم بالوطن. ومن هذه المقاهي برزت أسماء مؤسِّسة، من بينها سليمان عازم الذي هاجر إلى فرنسا عام 1937 وقدم أغاني ارتبطت بتجربة الغربة، إلى جانب فنانين تناولوا موضوع الرحيل والحنين في الأغنية القبائلية.
وحين انتقلت الأغاني من المقاهي إلى شركات التسجيل الفرنسية، اتسع جمهورها ولم تعد حكرا على تجمعات المهاجرين. ويبرز في هذه المرحلة دحمان الحراشي، الذي ارتبط اسمه بأغنية «يا رايح»، بوصفه واحدا من أبرز الأصوات التي نقلت حكاية المهاجر الجزائري إلى جمهور أوسع، وأسهمت في ترسيخ صورة الغربة داخل الوجدان الفني العربي.
الراي: من وهران إلى باريس
خصصت الحلقة مساحة واسعة لجذور موسيقى الراي في غرب الجزائر، وتحديدا مدينة وهران، حيث تداخلت تقاليد الغناء الشعبي مع تجارب الشيوخ والعجائز، وأسهمت النساء في تطوير هذا اللون الغنائي من خلال الارتجال والتعبير عن تجاربهن الاجتماعية والشخصية.
وشهد الراي تحولات لحنية متلاحقة منذ ستينيات القرن الماضي، مع إدخال آلات وتوزيعات حديثة، وصولا إلى استخدام الغيتار الكهربائي والآلات الإلكترونية والإيقاعات المبرمجة في السبعينيات والثمانينيات. وأسهم منتجون بينهم رشيد بابا أحمد في تطوير هذا الصوت وفتح المجال أمام جيل جديد من المغنين مثل الشاب خالد والشاب مامي وفضيلة والصحراوي.
وجاء مهرجان بوبيني في ضاحية بوبيني بباريس عام 1986 محطة فارقة، إذ جمع عددا من نجوم الراي وفتح أمام الموسيقى الجزائرية فضاء أوسع خارج حدود الجالية. ومع انتقال الشاب خالد إلى فرنسا عام 1988، ثم انتشار أغنيته «دي دي»، وصل الراي إلى جمهور يتجاوز بكثير المهاجرين الجزائريين، وأصبح جزءا من المشهد الموسيقي العالمي.
جيل الأبناء: هوية مركبة بين ثقافتين
لم تقتصر آثار الهجرة على انتقال الأغاني من الجزائر إلى فرنسا، بل امتدت إلى أبناء المهاجرين الذين وُلدوا أو نشؤوا في المجتمع الفرنسي، وحاولوا التعبير عن هوياتهم المركبة من خلال الموسيقى. فبرز رشيد طه، الذي وصل إلى فرنسا طفلا، وقدم مع فرقته تجارب جمعت الموروث الجزائري بموسيقى الروك.
وشهدت التسعينيات تداخلا متزايدا بين الراي والراب، مع حضور بارز لمدينتي باريس ومارسيليا في أعمال فنانين استلهموا حياة الجالية وتعدد ثقافاتها. لكن العشرية نفسها حملت أيضا وجها مأساويا؛ فقد تناولت الحلقة تأثير العنف الذي شهدته الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي في حياة الفنانين، مشيرة إلى اغتيال الشاب حسني عام 1994، ثم مقتل المنتج رشيد بابا أحمد بعد أشهر، وما رافق تلك المرحلة من ضغوط دفعت بعض الفنانين إلى البحث عن فضاءات أكثر أمنا خارج البلاد.
حفلة «1، 2، 3 سولاي» وميلاد جيل جديد
توقفت الحلقة عند حفلة «1، 2، 3 سولاي» التي جمعت الشاب خالد ورشيد طه والشاب فضيل في باريس عام 1998، بوصفها المحطة التي التقت فيها أجيال مختلفة من المهاجرين وأبنائهم، وجمهور من خلفيات متعددة، حول أغان حملت ذاكرة الجزائر إلى مسارح فرنسا.
وفي العقود التالية، واصل جيل جديد من الفنانين إعادة تشكيل هذا الإرث. ففرقة «سنترس» مزجت التسجيلات الجزائرية القديمة بموسيقى الراب في أغنية «طونطون دوبل»، التي استخدمت مقطعا من تسجيل للفنان أحمد وهبي لتعيد تقديم الذاكرة الموسيقية الوهرانية في قالب جديد. وفي عام 2026، استعاد الفنان سولكينغ في أغنيته «ستاك مارسي» صوت الفنانة الجزائرية زهرة من أغنية أقدم بنحو ثلاثة عقود، في مثال واضح على استمرار انتقال الأغنية بين الأجيال.
قراءة قطرية: الأغنية الجزائرية نموذج للقوة الناعمة العربية
ما تقدمه تجربة الأغنية الجزائرية في فرنسا يطرح سؤالا يتجاوز الشأن الفني إلى صميم السياسات الثقافية: كيف يمكن للمجتمعات العربية أن تحول الهجرة من ملف اجتماعي إلى جسر حضاري يحمل صوتها وذاكرتها إلى العالم؟ فالنموذج الجزائري يبين أن الفن، حين يرافقه إنتاج جاد ورعاية مؤسسية، يتحول إلى أداة حضور ثقافي لا تملكها الجيوش ولا الموارد المادية وحدها.
ولعل في هذا الدرس ما يستحق التأمل في المنطقة، حيث تتنافس عواصم عربية على أدوات التأثير الثقافي. فالأغنية الجزائرية لم تصل إلى المسارح العالمية بفضل التمويل وحده، بل بحكم عمقها الشعبي وصلتها الحية بذاكرة إنسانية مشتركة بين الجزائر وفرنسا، وهي صلة صنعها تاريخ طويل من الهجرة والعمل والغربة.
وتكشف هذه التجربة أيضا أن الأصوات النسائية الجزائرية حملت نصيبا وازنا من هذا الإرث، وهو ما يوثقه حديث إعلامي عربي واسع حول رائدات الأغنية الجزائرية؛ فقد أبرزت صحيفة الرأي في تقرير حديث مسار المطربة نورة سيدة الأغنية الجزائرية، كما تناولت غناء وردة على مسارح باريس باللغة الفرنسية، في دليل إضافي على امتداد الحضور النسائي الجزائري إلى الضفة الأوروبية منذ عقود.
ولا يقتصر هذا الإرث على الغناء وحده؛ إذ يرصد تقرير لمنصة ألترا الجزائر حضور الموسيقى الجزائرية في السينما الوطنية، مبينا أن العمل اللحني تجاوز دوره التقليدي ليغدو بناء تعبيريا تتجسد عبره ذاكرة الشعب بانكساراتها وتحولاتها التاريخية. وهو ما يعزز فكرة أن الموسيقى الجزائرية تشكل رصيدا فنيا متكاملا يغذي مختلف الفنون، لا لونا غنائيا معزولا.
وفي السياق الوجداني ذاته، يذكّر تقرير لصحيفة الجزائر اليوم بأن الأغنية الثورية ظلت تربط الفن بالانتماء الوطني، من أغنية «حزب الثوار» إلى «ومعاهم هانت»، حيث يصبح حب الوطن إيمانا لا تزعزعه المحن. وهذه الخلفية الوطنية جزء أصيل من الذاكرة التي حملها المهاجرون إلى مقاهي فرنسا، ثم حملها أبناؤهم إلى مسارحها.
أسئلة شائعة
كيف أثرت الهجرة الجزائرية في تطور الأغنية الجزائرية؟
أكدت حلقة «غاليريتا» أن الهجرة حولت الأغنية الجزائرية من وسيلة لحفظ الذاكرة والهوية داخل مقاهي المهاجرين إلى فضاء للتجديد والتفاعل بين الثقافتين الجزائرية والفرنسية، وصولا إلى أجيال مزجت الراي والشعبي بالراب والهيب هوب.
متى وصل الراي إلى جمهور عالمي خارج الجالية؟
وفق تقرير الجزيرة، جاء الانفتاح الأوسع مع مهرجان بوبيني في باريس عام 1986، ثم مع انتقال الشاب خالد إلى فرنسا عام 1988 وانتشار أغنيته «دي دي».
من أبرز أعلام هذه المسيرة؟
سليمان عازم ودحمان الحراشي في مرحلة المقاهي والتسجيلات الأولى، ثم الشاب خالد والشاب مامي وفضيلة في مرحلة الراي، ورشيد طه في جيل الروك، وصولا إلى سولكينغ وفرقة «سنترس» في الجيل الحالي.
ما دلالة أغنية «ستاك مارسي» الصادرة عام 2026؟
استعادت الأغنية صوت الفنانة الجزائرية زهرة من تسجيل أقدم بنحو ثلاثة عقود، لتؤكد استمرار انتقال الأغنية الجزائرية بين الأجيال وتحوّل الهجرة من موضوع للكلمات إلى تجربة تعيد تشكيل الموسيقى ذاتها.
