في خطابٍ ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر/أيلول الماضي، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شبكة الجزيرة بأنها وسيلة إعلامية “سامة”، متهمًا إياها بالتحريض ضد إسرائيل والغرب. لم تكن هذه التصريحات معزولة، بل جاءت ضمن سلسلة إجراءات تصعيدية بدأت باتهامات إعلامية وتطورت إلى قوانين تتيح إغلاق مكاتب الشبكة وحجب مواقعها، في مشهد يعكس إصرارًا إسرائيليًا على إسكات صوت الحقيقة في المنطقة.
ما الذي قاله نتنياهو عن الجزيرة في الأمم المتحدة؟
أمام مقاعد شبه فارغة، قاطعها عشرات رؤساء الوفود، اتهم نتنياهو قطر بإنفاق أموال طائلة للتأثير في الرأي العام، واصفًا الجزيرة بأنها أداة “لغسل أدمغة الشباب” ودفعهم إلى كراهية إسرائيل والولايات المتحدة. وقد ربط حديثه بما أسماه “الجبهة الثامنة” التي تواجه إسرائيل، وهي الحرب من أجل الحقيقة.
في اليوم التالي، أصدرت الجزيرة بيانًا رفضت فيه هذه التصريحات بشكل قاطع، مؤكدة أنها “حلقة جديدة في حملة ممتدة” تستهدف الشبكة وصحفييها بسبب عملهم المهني في نقل الوقائع من الميدان وتوثيقها، وإفساح المجال أمام مختلف الأصوات. كما حذّرت من خطورة صدور هذا الخطاب من منبر الأمم المتحدة، لما يترتب عليه من تهديد لسلامة صحفييها، مشيرة إلى الثمن الباهظ الذي دفعته في غزة، حيث فقدت عددًا من صحفييها ومصوريها أثناء أداء واجبهم.
هل تستهدف إسرائيل وسائل إعلام دولية أخرى؟
الجزيرة ليست وحدها في مرمى الانتهاكات الإسرائيلية؛ فقد تعرضت وكالات عالمية كبرى لاعتداءات مماثلة. ففي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرض فريق بي بي سي في تل أبيب للاعتداء والاحتجاز تحت تهديد السلاح، رغم وضوح علاماتهم الصحفية. وفي اليوم التالي، قُتل مصور رويترز عصام عبد الله في جنوب لبنان، وأصيب معه صحفيان من الجزيرة وآخرون.
كما دمرت إسرائيل في مايو/أيار 2021 برجًا سكنيًا في غزة يضم مكتب وكالة أسوشيتد برس، وفي مايو/أيار 2024 أوقفت خدمة البث المباشر للوكالة وصادرت معداتها. أما وكالة الصحافة الفرنسية، فقد تعرض مكتبها في غزة لأضرار كبيرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. هذه الوقائع تؤكد أن إسرائيل تسعى لتعتيم المشهد الإعلامي الدولي لمنع كشف انتهاكاتها.
ما أبرز محطات استهداف الجزيرة؟
منذ عام 2014، تصاعدت الحملة الإسرائيلية ضد الجزيرة، ويمكن تلخيص أبرز محطاتها كالتالي:
- يوليو/تموز 2014: دعا وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إلى إغلاق الجزيرة، متهمًا إياها بغسيل الدماغ، وتعرض مكتبها في غزة لإطلاق نار.
- أغسطس/آب 2017: اتهم وزير الاتصالات أيوب قرا الجزيرة بدعم الإرهاب، وسعى لإغلاق مكتبها في القدس وسحب اعتمادات صحفييها.
- مايو/أيار 2021: دمرت غارة إسرائيلية برج الجلاء في غزة الذي يضم مكاتب الجزيرة ووكالات دولية.
- مايو/أيار 2022: اغتيلت مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة برصاص الجيش الإسرائيلي في جنين، واعترف الجيش لاحقًا باحتمال إصابتها بنيرانه.
- مايو/أيار 2024: قررت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع وقف عمل الجزيرة داخل إسرائيل، واقتحمت الشرطة مكاتبها في القدس وصادرت معداتها.
- سبتمبر/أيلول 2024: وسعت إسرائيل الإغلاق ليشمل مكتب الجزيرة في رام الله بالضفة الغربية المحتلة.
- أغسطس/آب 2025: استُشهد مراسل الجزيرة أنس الشريف في غارة إسرائيلية على خيمة للصحفيين قرب مستشفى الشفاء.
- ديسمبر/كانون الأول 2025: حوّل الكنيست “قانون الجزيرة” إلى قانون دائم، بعد تمديده لعامين دون ربطه بحالة طوارئ.
- يناير/كانون الثاني 2026: مددت إسرائيل حظر عمليات الجزيرة 90 يومًا إضافيًا، شمل منع شركات البث والإنترنت ويوتيوب من تقديم خدماتها للشبكة.
كيف تتعامل الجزيرة مع هذه الحملة؟
تؤكد الجزيرة أنها ستواصل تغطيتها المهنية، وستلجأ إلى الوسائل القانونية المتاحة للرد على هذه الإجراءات. وتعتبر الشبكة أن هذه الحملة لا تستهدفها وحدها، بل تمس حق الإنسان في الوصول إلى الحقيقة وتقويض حرية الصحافة المستقلة. وقد دعت المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات حرية الصحافة إلى تحمل مسؤولياتها في حماية الصحفيين ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم.
ما دلالات هذا التصعيد الإسرائيلي؟
يبدو أن إسرائيل، التي طالما روّجت لنفسها كدولة ديمقراطية تحترم حرية الإعلام، تسعى إلى فرض رواية واحدة للحرب، عبر ملاحقة وسيلة إعلامية لا تفعل سوى نقل الحقيقة. هذا التصعيد يأتي في وقت تواجه فيه إسرائيل إدانات دولية واسعة، بما في ذلك مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو بتهم جرائم حرب. ويطرح هذا الوضع تساؤلات حول مستقبل حرية الصحافة في المنطقة، ودور قطر الريادي في دعم الإعلام المستقل كأداة للتنمية والسلام.
الأسئلة الشائعة حول حملة إسرائيل على الجزيرة
ما هو “قانون الجزيرة” الإسرائيلي؟
هو قانون طوارئ أقره الكنيست في أبريل/نيسان 2024، يسمح للحكومة باتخاذ إجراءات ضد وسائل إعلام أجنبية إذا رأت أن محتواها يضر بأمن الدولة. وقد حوّل إلى قانون دائم في ديسمبر/كانون الأول 2025، ويستخدم حصريًا ضد الجزيرة حتى الآن.
هل أثرت هذه الإجراءات على تغطية الجزيرة؟
رغم إغلاق مكاتبها في إسرائيل والضفة الغربية، تواصل الجزيرة تغطيتها من غزة ومناطق أخرى، وتعتمد على وسائل بديلة للبث. وتؤكد الشبكة أن هذه الإجراءات لن تثنيها عن أداء رسالتها الصحفية.
كيف رد المجتمع الدولي على هذه الحملة؟
أدانت منظمات حرية الصحافة مثل مراسلون بلا حدود ونقابات الصحفيين هذه الإجراءات، واعتبرتها انتهاكًا صارخًا لحرية الإعلام. لكن لم تصدر حتى الآن إجراءات دولية ملزمة لوقفها، مما يثير قلقًا متزايدًا حول مستقبل التغطية المستقلة في مناطق النزاع.
ما دور قطر في دعم الجزيرة؟
تؤكد الدوحة أن شبكة الجزيرة مؤسسة إعلامية مستقلة، وتدعمها سياسيًا وقانونيًا في مواجهة هذه الحملات، انطلاقًا من إيمانها بحرية التعبير كحق أساسي، وبأهمية الإعلام في تعزيز التفاهم والسلام في المنطقة.
