كشفت تقديرات نشرتها هيئة البث الإسرائيلية أن عدد المصنفين متخلفين عن الخدمة العسكرية في إسرائيل ارتفع إلى 110 آلاف شخص، يشكل اليهود الحريديم نحو 80% منهم، وذلك قبل أيام من الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. وتتحول أزمة التجنيد، وفق تقرير للجزيرة، إلى أحد الملفات الحاسمة في سباق تشكيل الحكومة المقبلة، في وقت يعاني فيه جيش الاحتلال من نقص حاد في القوى البشرية بعد أشهر من حرب الإبادة على قطاع غزة.
فقد أفاد مراسل الشؤون الأمنية في القناة 11 روعي يانوفسكي بأن عدد المتخلفين قفز من 75 ألفا مطلع العام الجاري إلى 110 آلاف، بزيادة تناهز 47% في أقل من عشرة أشهر، فيما قدّر الجيش الإسرائيلي أن الحريديم يشكلون نحو 88 ألفا من هذا الإجمالي، مع توقعات بارتفاع العدد مع دخول أوامر استدعاء جديدة حيز التنفيذ، كما
إنفاذ قانون معطل ومحكمة عاجزة عن فرض قراراتها
المفارقة اللافتة أن هذا التصاعد يترافق مع تعثر تام في إنفاذ القانون. فقد نفذت الشرطة العسكرية خلال سبتمبر/أيلول 15 محاولة اعتقال استباقية لم تنجح سوى في توقيف ثمانية متهربين، أي ما يعادل 0.01% من قاعدة كانت تضم آنذاك نحو 80 ألف مطلوب للتجنيد، وفق ما كشفه إليشع بن كيمون ومئير تورجمان في صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول.
كما ألغيت حملة اعتقالات واسعة طلبت لها الشرطة 300 عنصر من الشرطة العسكرية بسبب خلاف بشأن المسؤوليات بين الجهات الأمنية. وتتعارض هذه الوقائع مع مسار المحكمة العليا التي أنهت في يونيو/حزيران 2024 الأساس القانوني للإعفاء الجماعي للحريديم، ثم طالبت في أبريل/نيسان 2026 بتفعيل عقوبات اقتصادية تمس دعم الحضانات وتخفيضات المواصلات والسكن.
ولم يكن الإنفاذ متوازنا أصلا؛ فقد كشف الكاتب آفي بن هار في موقع زمان إسرائيل بتاريخ 31 أغسطس/آب أن الحريديم شكلوا 14% فقط من الموقوفين في العمليات الاستباقية حتى منتصف يناير/كانون الثاني، و7% فقط من لوائح الاتهام خلال يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، رغم أنهم يشكلون غالبية المتهربين.
تحذيرات عسكرية من انهيار داخلي
تتجاوز الأزمة الخلاف الديني والقضائي إلى قدرة جيش الاحتلال على مواصلة عملياته العدوانية. فقد حذر رئيس الأركان الفريق إيال زامير خلال اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغر في مارس/آذار 2026 قائلا: أرفع 10 أعلام حمراء، الجيش الإسرائيلي سينهار من الداخل.
ونقل يارون أبراهام في القناة 12 بتاريخ 26 مارس/آذار تحذير زامير من أزمة القوى البشرية الناجمة عن اتساع المهمات العسكرية وتأخر تشريعات التجنيد والخدمة النظامية والاحتياط. وفي دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي بتاريخ 20 أغسطس/آب، خلصت باحثات المعهد إلى أن قوات الاحتياط تحولت فعليا إلى منظومة خدمة دائمة خلافا لإرادة أفرادها بفعل الاستدعاءات المتكررة.
وقدر الباحث رام أميناه في دراسة للمعهد بتاريخ 21 ديسمبر/كانون الأول 2025 النقص بنحو 12 ألف جندي في كل فوج تجنيد، خصوصا من المقاتلين وعناصر الإسناد. ورغم ارتفاع تجنيد الحريديم من 2811 إلى 4298 خلال سنة التجنيد 2025، تظل الأرقام دون الاحتياجات المعلنة.
فاتورة اقتصادية متصاعدة
يمتد أثر الأزمة إلى الاقتصاد الإسرائيلي الذي أنهكته الحرب. فقد نقل الصحفي أساف زغريزك في صحيفة غلوبس بتاريخ 5 يوليو/تموز 2026 تحذيرا لوزارة المالية من أن استمرار الاتجاهات الديموغرافية والاقتصادية المرتبطة بالحريديم قد يستدعي رفع الضرائب بنسبة 16% خلال ثلاثين عاما للحفاظ على مستوى الخدمات.
وأظهر استطلاع نشره معهد دراسات الأمن القومي في يوليو/تموز 2025 أن 71% من اليهود المستطلعين توقعوا تضرر دافعية الخدمة القتالية نتيجة إعفاء معظم الحريديم، بينما أيد 89% تغيير نظام التجنيد القائم.
نتنياهو يراهن على صفقة الإعفاءات
دخل الملف قلب المعركة الانتخابية يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول عندما تعهد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في مقابلة مع إذاعة كول براما الحريدية باستئناف تشريع قانون ينظم إعفاء طلاب المعاهد الدينية خلال ولايته المقبلة، معتبرا اعتقال طلاب المعاهد غير مقبول. غير أنه تجنب الالتزام بإقرار القانون قبل تنصيب الحكومة المقبلة رغم مطالبة الأحزاب الحريدية بذلك، في محاولة للجمع بين ضمان دعمها وعدم إغلاق الباب أمام شركاء ائتلافيين آخرين.
ورد رئيس حزب يشار ورئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت بأن الانتخابات أصبحت مواجهة بين حكومة إعفاءات يقودها نتنياهو وحكومة تفرض الخدمة بقيادته، بينما اتهم زعيم حزب بيهاد نفتالي بينيت نتنياهو بعقد صفقة سياسية مع الحريديم لتبادل الإعفاءات مقابل الحكم.
شروط الحريديم وتناقضات المعارضة
ضاعف زعيم كتلة يهوديت هتوراه يعقوب آشر من تعقيد المشهد حين أعلن في مقابلة مع موقع آي 24 نيوز بتاريخ 18 أكتوبر/تشرين الأول تراجع الثقة في نتنياهو ورفض استبعاد المشاركة في حكومة يقودها آيزنكوت، مشترطا إقرار قانون ينظم مكانة طلاب المعاهد الدينية قبل الانضمام لأي حكومة. وأكد آشر في مقابلة مع القناة 12 أن العقوبات الاقتصادية والاعتقالات لن تدفع المجتمع الحريدي إلى التجنيد بل ستزيد الاحتجاجات.
وتضع هذه الشروط المعارضة أمام تناقض صريح؛ فآيزنكوت يتمسك بإلغاء الإعفاء الجماعي ويؤكد استعداده لخوض انتخابات جديدة بدل التنازل، بينما يعارض كل من أفيغدور ليبرمان ويائير غولان إشراك الأحزاب الحريدية بشروطها الحالية.
ثلاثة مسارات للحكومة المقبلة
يرى المراقبون أن نتائج الانتخابات ستفتح ثلاثة مسارات: إما عودة نتنياهو إلى تحالف مع الحريديم مقابل قانون إعفاءات، أو تشكيل حكومة معارضة تتبنى التجنيد الواسع، أو تعثر المفاوضات إذا أصبح دعم الأحزاب الدينية ضروريا لتحقيق أغلبية 61 مقعدا في الكنيست. وقد تدفع الحاجة إلى الأغلبية البرلمانية نحو تسويات جزئية تضم أهداف تجنيد تدريجية وعقوبات محدودة، لكنها ستواجه اختبار المحكمة العليا واحتياجات الجيش.
وهكذا تنتقل أزمة 110 ألف متخلف عن الخدمة من ساحات التجنيد والمحاكم إلى طاولة تشكيل الحكومة، حيث تتصادم مطالب المؤسسة العسكرية بمزيد من الجنود مع شروط الأحزاب الحريدية ومواقف المعارضة، لتصبح الخدمة العسكرية اختبارا حقيقيا لقدرة أي ائتلاف مقبل على الحكم.
أسئلة شائعة
كم عدد المتهربين من التجنيد في إسرائيل؟
بلغ عدد المصنفين متخلفين عن الخدمة العسكرية 110 آلاف شخص وفق هيئة البث الإسرائيلية، منهم نحو 88 ألف حريدي، بارتفاع قدره 35 ألفا منذ مطلع 2026.
لماذا يعارض الحريديم التجنيد في الجيش الإسرائيلي؟
يرفض الحريديم الخدمة العسكرية بحجة التفرغ لدراسة التوراة، ويشترط زعماؤهم تشريعا يضمن مكانة طلاب المعاهد الدينية قبل أي التزام سياسي.
ما موقف المحكمة العليا الإسرائيلية من إعفاء الحريديم؟
أنهت المحكمة العليا في يونيو/حزيران 2024 الأساس القانوني للإعفاء الجماعي، وطالبت في أبريل/نيسان 2026 بتفعيل عقوبات اقتصادية على المتخلفين، لكن إنفاذ القرارات يبقى شبه معطل.
