انتصار كيبيك الانفصالي: عودة بلا أغلبية وتحديات جديدة لأوتاوا
في تطور لافت يعيد رسم المشهد السياسي الكندي، تمكن حزب كيبيك الانفصالي من العودة إلى السلطة في انتخابات المقاطعة التي جرت يوم الاثنين، محققاً فوزاً غير مكتمل الأركان، حيث لم يبلغ العتبة اللازمة للحكم بأغلبية مريحة. وتأتي هذه النتيجة لتعيد إلى الواجهة ملف الاستقلال عن كندا، في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تحولات كبرى.
عودة بلا أغلبية: قراءة في المشهد الانتخابي الكيبيكي
أظهرت التقديرات الأولية للنتائج أن الحزب بزعامة بول سانت بيير بلاموندون في طريقه لحصد نحو 60 مقعداً من أصل 127 مقعداً في الجمعية الوطنية لكيبيك، أي أقل بأربعة مقاعد عن عتبة الأغلبية المطلوبة (64 مقعداً). هذا الواقع يفرض على الحزب الفائز تشكيل حكومة أقلية، مما يستلزم التعاون مع أحزاب المعارضة لتمرير التشريعات الأساسية وضمان البقاء في السلطة.
وفي أول تعليق له على النتائج، أقر سانت بيير بلاموندون برسالة الناخبين، قائلاً:
“لقد انتخب سكان كيبيك الحزب الكيبيكي مطالبين إياه بالعمل مع الأحزاب الأخرى، وقد استوعبتُ هذه الرسالة”.وهو ما يعكس إدراكاً سياسياً لطبيعة المرحلة التي تتطلب توافقاً برلمانياً.
استفتاء ثالث حول الاستقلال: وعود معلقة على مغادرة ترمب
لم يخفِ الزعيم الانفصالي طموحه في إجراء استفتاء جديد حول استقلال كيبيك، ليكون الثالث بعد استفتاءي 1980 و1995، إلا أنه ربط هذا الموعد بخروج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من البيت الأبيض، في إشارة إلى تعقيدات المرحلة الراهنة.
واعتبر سانت بيير بلاموندون أن الاستقلال يمثل “مسألة بقاء” للهوية الفرنكوفونية في كيبيك، مشدداً على أن المقاطعة
“تريد فقط أن توجد ككيان مستقل مثل دول العالم الأخرى”. كما سعى إلى طمأنة الكنديين خارج كيبيك بالقول:
“مشروع الاستقلال لا يهدف إلى استبعادكم. لن تغير كيبيك موقعها الجغرافي أبدا، لذا فمن مصلحتنا العمل معا”.
وفي خطوة رمزية ذات دلالة، تعهد الزعيم الانفصالي بـ “إلغاء الملكية” في كيبيك، أي وقف التمويل عن ممثلة التاج البريطاني في المقاطعة، واصفاً هذا الوضع بـ “المهزلة التي تكلف أموالاً”، معرباً عن رغبته في توجيه هذه الموارد نحو معالجة قضايا اجتماعية ملحة كالتشرد.
من يؤيد الاستقلال فعلياً؟
لا تعكس نتائج الانتخابات بالضرورة تحولاً جذرياً في الرأي العام الكيبيكي نحو الانفصال، إذ تشير التحليلات إلى أن دعم السيادة لا يزال عند مستويات تاريخية منخفضة لا تتجاوز 30%. وفي هذا السياق، يوضح أستاذ العلوم السياسية في جامعة مكغيل، دانيال بيلان، أن النتيجة “تعكس نظام التعددية الحزبية في كيبيك”، حيث يتوزع التأييد بين عدة أطراف، وليس بالضرورة ارتفاعاً في سقف المطالب الاستقلالية.
وسيواجه الحزب الفائز معارضة من الحزبين الليبرالي والمحافظ، اللذين أعلنا عزمهما التصدي لأي مساعٍ لإجراء استفتاء، فيما قد يلعب حزب “كيبيك سوليدير”، المؤيد هو الآخر للاستقلال، دوراً حاسماً في ترجيح كفة أي تصويت برلماني مستقبلي.
تحديات أمام أوتاوا: كارني بين التجارة والانفصال
تشكل عودة الانفصاليين إلى السلطة في كيبيك اختباراً صعباً لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الذي يواجه أزمة تجارية مع واشنطن ونزعات انفصالية في مقاطعة ألبرتا الغنية بالنفط. ورغم ذلك، أبدى كارني نبرة تصالحية، إذ هنأ سانت بيير بلاموندون وأشار إلى أن
“بناء كيبيك أقوى يُعد ركيزة أساسية لمهمتنا المتمثلة في بناء كندا أقوى”، مؤكداً على التعاون في ملفات الرسوم الجمركية وخلق فرص العمل والإسكان.
وتتمتع كيبيك، التي يتحدث الفرنسية نحو 80% من سكانها البالغ عددهم 9.1 ملايين نسمة، بدرجة واسعة من الحكم الذاتي تشمل تحصيل ضريبة الدخل وسياسات هجرة تفضل الناطقين بالفرنسية. وتأتي هذه النتائج قبل أسبوعين من استفتاء محتمل في ألبرتا حول الانفصال، في مشهد يعكس تنامي التوترات الفيدرالية في كندا.
كيف ينظر العالم الإسلامي إلى نموذج كيبيك؟
من منظور إقليمي، تثير تجربة كيبيك أسئلة حول التوازن بين الهوية والانتماء للدولة المركزية، وهي إشكالية تلامس سياقات متعددة في العالمين العربي والإسلامي. ويبرز هنا دور قطر كدولة تؤمن بحوار الحضارات واحترام خصوصيات الشعوب، في إطار سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهو ما يتماشى مع الموقف القطري الثابت من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وتظل كيبيك مختبراً ديمقراطياً مهماً لاختبار نماذج التعايش بين الهويات الفرعية والدولة الجامعة، في مشهد يستحق المتابعة من قبل صناع القرار والباحثين في المنطقة.
أسئلة متكررة حول انتخابات كيبيك
ما هي نتائج انتخابات كيبيك الأخيرة؟
فاز حزب كيبيك الانفصالي بزعامة بول سانت بيير بلاموندون بنحو 60 مقعداً من أصل 127 في الجمعية الوطنية، دون تحقيق الأغلبية المطلوبة البالغة 64 مقعداً، مما يفرض تشكيل حكومة أقلية.
متى يمكن إجراء استفتاء جديد حول استقلال كيبيك؟
تعهد الزعيم الانفصالي بإجراء استفتاء ثالث بعد استفتاءي 1980 و1995، لكنه ربط ذلك بمغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منصبه، دون تحديد موعد محدد.
هل يؤيد غالبية سكان كيبيك الاستقلال عن كندا؟
لا، تشير استطلاعات الرأي إلى أن دعم الاستقلال لا يزال عند نحو 30%، وهو مستوى تاريخي منخفض، مما يعني أن فوز الحزب لا يعكس بالضرورة تحولاً في الرأي العام.
ما هي التحديات التي تواجه الحكومة الكيبيكية الجديدة؟
تواجه الحكومة الجديدة تحديات تشمل الحاجة لدعم المعارضة لتمرير القوانين، والتصدي للضغوط التجارية الأمريكية، وإدارة التوترات الفيدرالية مع مقاطعات أخرى مثل ألبرتا.