كشفت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عن انقسام عميق في مواقف دول البلقان تجاه إسرائيل، إذ يتوزع الموقف بين دول تبدي تضامنا مع الفلسطينيين وأخرى تحافظ على علاقات وثيقة مع تل أبيب، وذلك في وقت أظهرت فيه أوروبا الغربية موقفا أكثر تناغما وقلقا إزاء السلوك الإسرائيلي.
وأفاد تقرير نشرته الجزيرة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بأن هذا التباين لا يعكس رؤية مشتركة تجاه الشرق الأوسط، بل حسابات داخلية ودبلوماسية مصالح وقضايا هوية لم تُحسم بعد، وهو ما يضع أمام الدوحة، بوصفها وسيطا دوليا راسخا، صورة أوضح عن خريطة المواقف في قارة أوروبية تُعتبر شريكا أساسيا في ملفات المنطقة.
لا مواقف مشتركة بين دول البلقان
يرى المحلل في مجموعة الأزمات الدولية ماركو بريليك، في تصريح للجزيرة، أنه لا توجد تقريبا أي مواقف مشتركة بين دول البلقان، مضيفا: "لذا فليس من المستغرب أن تكون مواقفها تجاه إسرائيل وغزة متباينة للغاية"، وأن "كل دولة تسلك مسارها الخاص".
وأشار بريليك إلى وجود شعور حقيقي بالتعاطف مع الفلسطينيين وبالاشمئزاز من السياسة الإسرائيلية في غزة، لا سيما بين المسلمين البوسنيين، لكن معظم دول المنطقة تبني مواقفها على مصالح لا علاقة لها بالصراع. ويرى فلوريان بيبر، أستاذ تاريخ وسياسات جنوب شرق أوروبا في جامعة غراتس بالنمسا، أن التوصل إلى توافق إقليمي شبه مستحيل، لأن الموقف من إسرائيل يتشكل بقوة بفعل السياسات الداخلية والسرديات الوطنية.
البوسنة والهرسك: انقسام عرقي وديني حاد
يتجلى الانقسام في أوضح صوره في البوسنة والهرسك، حيث عمّقت الحرب على غزة الانقسامات القائمة أصلا بين كيانات الدولة. فقد أبدى ممثلو البوشناق، وهم مسلمو البوسنة، إلى جانب قطاعات واسعة من اتحاد البوسنة والهرسك، تضامنا قويا مع الشعب الفلسطيني، في مقابل إعلان قادة جمهورية صرب البوسنة دعمهم العلني لإسرائيل.
وقال بيبر: "غالبا ما يُنظر إلى تضامن البوشناق مع الفلسطينيين ليس فقط من منظور أيديولوجي، بل أيضا من خلال استحضار تجربة الحرب والوقوع ضحية للعدوان القومي الصربي؛ حيث تجري مقارنة المعاناة الفلسطينية بتجربة البوشناق خلال تسعينيات القرن الماضي".
بدوره، تبنى الرئيس السابق لجمهورية صرب البوسنة ميلوراد دوديك موقفا داعما لإسرائيل بشكل علني. وصرّح محلل السياسة الخارجية بوسكو جاكسيتش بأن منطق دوديك يقوم على مبدأ "عدو عدوي صديقي"، أي تحالف اليهود والصرب الأرثوذكس ضد المسلمين، ما يسمح له بالحفاظ على علاقة مع إسرائيل توازي تقاربه مع روسيا في آن واحد.
صربيا: تصدير السلاح وتوازن متعدد المسارات
في صربيا، يمزج الموقف تجاه إسرائيل بين اقتصاديات الدفاع والسياسة الخارجية. فرغم العلاقات الودية التاريخية مع فلسطين والتصويت لصالح منحها عضوية في هيئات دولية، قامت بلغراد بتصدير ذخائر وأسلحة إلى إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وافتتحت في سبتمبر/أيلول الماضي مصنعا لتجميع الطائرات المسيرة بتمويل أو ارتباط إسرائيلي.
وأوضح فوك فوكسانوفيتش، المحاضر في السياسة الخارجية في كينغز كوليدج لندن، أن بلغراد تنظر إلى إسرائيل على أنها شريك يمكن من خلاله الحصول على حماية جماعات الضغط الإسرائيلية والوصول إلى إدارة ترمب في الولايات المتحدة.
كوسوفو وألبانيا: الارتباط بواشنطن
تظل سياسة كوسوفو وألبانيا تجاه إسرائيل مرتبطة بتحالفات أمنية مع واشنطن. فبموجب اتفاقية واشنطن لعام 2020، اعترفت كوسوفو بإسرائيل مقابل اعتراف الأخيرة باستقلال كوسوفو، وهو ما تلاه افتتاح سفارة كوسوفو في القدس المحتلة، بينما لم تقدم صربيا، التي تعهدت عام 2020 بنقل سفارتها إلى القدس، على هذه الخطوة في نهاية المطاف.
وفي ألبانيا، حافظت حكومة رئيس الوزراء إيدي راما على علاقات سياسية وثيقة مع إسرائيل، وعملت على تعميق التعاون مع شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية بعد تعرضها لهجمات إلكترونية، مع مواءمة سياستها الخارجية مع توجهات واشنطن والاتحاد الأوروبي.
انقسامات داخل السلطة في كرواتيا وسلوفينيا
في كرواتيا، أصيبت السياسة الخارجية تجاه غزة بالشلل نتيجة انقسام حاد بين رئيس الوزراء المحافظ أندريه بلينكوفيتش والرئيس زوران ميلانوفيتش. فاتبعت حكومة بلينكوفيتش نهجا أوروبيا حذرا، في حين انتقد ميلانوفيتش صراحة السلوك العسكري الإسرائيلي في غزة واصفا إياه بأنه غير مناسب.
وفي سلوفينيا، تبنت الحكومة السابقة ذات التوجه اليساري إجراءات صارمة شملت حظر الأسلحة ومنع استيراد السلع من المستوطنات غير القانونية وحظر دخول مسؤولين كبار مثل بنيامين نتنياهو، فضلا عن الاعتراف بدولة فلسطين، لكن القوى المحافظة بقيادة رئيس الوزراء يانيز يانشا سعت إلى إلغاء هذه السياسات.
الجبل الأسود ومقدونيا الشمالية ورومانيا وبلغاريا واليونان
اختارت دول أصغر أعضاء في حلف شمال الأطلسي، مثل الجبل الأسود ومقدونيا الشمالية، نهج الاصطفاف الهادئ، بالالتزام بالبيانات الرسمية الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والناتو والدعوة إلى وقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية، مع تجنب المبادرات الدبلوماسية المستقلة.
وإلى الشرق، تحافظ رومانيا وبلغاريا على موقف حذر يميل أحيانا نحو إسرائيل انطلاقا من شراكات دفاعية استراتيجية مع الولايات المتحدة، فيما حافظت الحكومات المتعاقبة في اليونان على شراكة استراتيجية عسكرية وطاقية قوية مع إسرائيل، ووقّعت أثينا مؤخرا صفقة صواريخ بقيمة 3.5 مليارات دولار مع تل أبيب.
قراءة قطرية: مصالح لا مبادئ
تُظهر هذه المواقف المتباينة، وفق محللين، أن سياسة الشرق الأوسط في دول البلقان نادرا ما تُعنى بالشرق الأوسط نفسه، وسواء كان الدافع أرباح الدفاع أم البحث عن دعم سياسي في واشنطن، فإن الفاعلين الإقليميين ما زالوا ينظرون إلى إسرائيل من منظور نفعي بحت.
وهنا يبرز الدور القطري الذي رسّخته الدوحة عبر سنوات من الوساطة والدعم الإنساني للفلسطينيين، بوصفه استثناء دبلوماسيا في مشهد دولي تحكمه الحسابات الآنية، إذ تقدم قطر نموذجا يقوم على ثبات الموقف والمبدأ، لا على المصلحة المتقلبة، وهو ما منحها ثقة أطراف الصراع وأهلها دور الوسيط الأمين.
كما أن التضامن الواسع الذي أبداه المسلمون في البلقان، وفي مقدمتهم البوشناق، مع القضية الفلسطينية يعكس عمق الوعي الإسلامي بقضايا الأمة، وهو وعٍ يمثل جسرا طبيعيا مع الدور القطري في نصرة القضايا العربية والإسلامية عبر العالم.
أسئلة شائعة
لماذا تتباين مواقف دول البلقان من إسرائيل؟
لأن كل دولة تبني موقفها على حسابات داخلية ومصالح اقتصادية وسياسية خاصة، لا على رؤية مشتركة تجاه الشرق الأوسط، وفق محللين تحدثت إليهم الجزيرة.
ما موقف البوسنة والهرسك من الحرب على غزة؟
ينقسم الموقف بين تضامن قوي مع الفلسطينيين لدى البوشناق المسلمين، ودعم علني لإسرائيل لدى قادة جمهورية صرب البوسنة بقيادة ميلوراد دوديك.
هل صدرت أسلحة من دول البلقان إلى إسرائيل؟
نعم، صدرت صربيا ذخائر وأسلحة إلى إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وافتتحت في سبتمبر/أيلول الماضي مصنعا لتجميع الطائرات المسيرة بتمويل أو ارتباط إسرائيلي.
