فورين بوليسي: حرب إيران تعجل بنهاية النفوذ الأمريكي بالمنطقة
يؤكد الباحث ستيفن كوك في مجلة فورين بوليسي أن الحرب الأمريكية على إيران كشفت حدود النفوذ الغربي بالشرق الأوسط وعجلت بإنهاء الوجود الأمريكي في المنطقة. هذا التحول يضع حدا لمبدأ كارتر ويفرض على حلفاء واشنطن الاعتماد على أنفسهم لإدارة أمنهم، فيما يمثل فرصة تاريخية لتعزيز الاستقلال الإقليمي بعيدا عن التدخلات الأجنبية.
كيف كشفت حرب الغضب الملحمي حدود النفوذ الأمريكي؟
يرى الخبير الأمريكي ستيفن كوك، الباحث البارز في شؤون الشرق الأوسط بمجلس العلاقات الخارجية، أن العملية العسكرية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على إيران تحت اسم الغضب الملحمي لم تحقق أي مكسب إستراتيجي حقيقي. فرغم إعلان ترمب الانتصار بطريقته المعتادة، فإن الحرب كشفت عن حدود النفوذ الأمريكي وأعادت إحياء دعوات متزايدة داخل واشنطن لإنهاء الوجود الأمريكي بالمنطقة. ويعتبر كوك أن الوقت قد حان لكي تنسحب واشنطن من دور ضامن الأمن الذي اضطلعت به لعقود طويلة، وهو دور لم يحقق الاستقرار المنشود بل زاد من تعقيدات المنطقة.
ما هي أبرز بنود مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران؟
يشير الكاتب إلى أن بنود مذكرة التفاهم المعلنة بين واشنطن وطهران تعكس واقعا مختلفا عن ادعاءات النصر. فالأطراف ستعود إلى التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما سيسمح لإيران بتصدير نفطها لمدة 60 يوما بموجب إعفاء خاص. في المقابل، لا يزال مستقبل الملاحة في مضيق هرمز يكتنفه الغموض، إذ يؤكد المسؤولون الإيرانيون أن ضمان حرية الملاحة لا يتجاوز مدة الاتفاق المؤقت، وقد تفرض طهران لاحقا رسوما على عبور السفن. هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة، ويتساءل كوك عما إذا كان الأمريكيون وحلفاء واشنطن والإيرانيون أنفسهم في وضع أفضل قبل اندلاع المواجهة العسكرية في 28 فبراير الماضي.
لماذا يتسارع الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط؟
يرى كوك أن فشل ترمب في إيران قد يؤدي إلى نتيجة مختلفة تماما عما أعلنه، وهي تسريع الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط. فقد أصبح عدد متزايد من أعضاء الكونغرس والمسؤولين الحاليين والمحتملين غير راغبين في تخصيص موارد سياسية وعسكرية ومالية ضخمة للحفاظ على الوجود الأمريكي في المنطقة. ويستعيد الكاتب تجربة الانسحاب البريطاني من الخليج مطلع سبعينيات القرن الماضي، عندما أعلنت لندن إنهاء وجودها العسكري شرق السويس بسبب أعباء الإمبراطورية المتراجعة، لتبدأ بعدها الولايات المتحدة تدريجيا في بناء وجودها العسكري الذي توسع عقب الغزو العراقي للكويت عام 1990.
لكن حصيلة العقود الخمسة الماضية لم تكن مشجعة بحسب كوك. فقد أخفقت واشنطن في تحقيق أهدافها الكبرى المعلنة، سواء عبر إقامة دولة فلسطينية أو إعادة تشكيل المجتمع العراقي أو تحويل دول المنطقة إلى ديمقراطيات مستقرة. وانضمت الحرب ضد إيران إلى سلسلة الإخفاقات الأمريكية السابقة، الأمر الذي جعل الشرق الأوسط قضية خاسرة سياسيا داخل واشنطن، في ظل توافق متزايد بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري على ضرورة تقليص الارتباط الأمريكي بالمنطقة. كما ساهمت التحولات في أسواق الطاقة في تغيير الحسابات الأمريكية؛ فالديمقراطيون يدفعون باتجاه تسريع الانتقال إلى الطاقة النظيفة، بينما يتساءل الجمهوريون عن جدوى استمرار الولايات المتحدة في تحمل أعباء حماية الخليج.
نهاية مبدأ كارتر وأثرها على مستقبل الأمن الإقليمي
يتوقع ستيفن كوك أن يتراجع الوجود الأمريكي إلى مستوى محدود يقتصر على وجود بحري في البحرين، وحاملة طائرات تتناوب على العمل في المنطقة، وربما جناح جوي في الأردن. ويعتبر أن هذا التحول يعني عمليا نهاية مبدأ كارتر الذي تعهد بحماية تدفق النفط من الخليج، ونهاية الحقبة الأمريكية في الشرق الأوسط. هذا التراجع يفرض على حلفاء واشنطن إعادة ترتيب أولوياتهم الأمنية في ظل غياب بديل دولي واضح، خاصة أن الصين لا تبدو راغبة في وراثة الدور الأمريكي بعد أن استخلصت دروس التدخلات الأمريكية المكلفة في المنطقة.
ويخلص كوك إلى أن ترمب ارتكب خطأ إستراتيجيا رفضه جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين، لكنه يمتلك الآن فرصة لاتخاذ قرار غير مسبوق يتمثل في سحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، تاركا حلفاءه الإقليميين يعتمدون على أنفسهم في إدارة أمنهم ومستقبلهم. وهذا التحول يمثل لحظة حاسمة تتيح لدول المنطقة فرصة بناء أمنها الذاتي وتعزيز مسارات الدبلوماسية الإقليمية بعيدا عن الوصاية الأجنبية.
هل ستحل الصين محل الولايات المتحدة في المنطقة؟
لا تبدو الصين راغبة في وراثة الدور الأمريكي العسكري في الشرق الأوسط. فقد استخلصت بكين دروسا من التدخلات الأمريكية المكلفة في المنطقة، وفضلت عدم الانخراط المباشر في أعباء أمنية تعتبرها عبئا على مواردها، مما يترك الساحة مفتوحة لدول الإقليم لإدارة شؤونها.
ما هو مستقبل حلفاء واشنطن بعد الانسحاب؟
سيضطر حلفاء واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتهم الأمنية والاعتماد على أنفسهم في إدارة أمنهم ومستقبلهم. في ظل غياب بديل دولي واضح عن النفوذ الأمريكي، تصبح الاستراتيجيات الدفاعية المستقلة والتحالفات الإقليمية الخيار الأوحد لضمان الاستقرار.