تحولات المشهد الأمريكي: صعود “جي ستريت” وتحدياته في ظل تنامي التأييد الفلسطيني
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد السياسي الأمريكي، يبرز ملف العلاقة مع إسرائيل كأحد أبرز محاور التغيير. فمع تراجع نفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) داخل الأوساط الديمقراطية، يحاول اللوبي الليبرالي “جي ستريت” استثمار هذا التحول لتوسيع حضوره. غير أن صحيفة الغارديان ترى أن صعود “جي ستريت” يواجه تحديا كبيرا، إذ إن القاعدة الديمقراطية باتت تتحرك بوتيرة أسرع نحو مواقف أكثر انتقادا لإسرائيل من تلك التي يتبناها التنظيم، باعتباره جماعة ضغط “مؤيدة لإسرائيل والسلام والديمقراطية”.
مكاسب تنظيمية وسياسية
وتشير الصحيفة إلى أن “جي ستريت” حقق مكاسب تنظيمية وسياسية خلال السنوات الأخيرة، إذ زاد عدد موظفيه بنحو 50%، وتضاعفت ميزانيته وعدد المتبرعين له، كما ارتفعت تبرعات ذراعه السياسية إلى مستويات غير مسبوقة. كما يستقطب التنظيم عددا متزايدا من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين إلى قائمة المرشحين الذين يسعون للحصول على دعمه، في ظل سعي بعضهم إلى النأي بأنفسهم عن صورة “أيباك” التي أصبحت أكثر إثارة للجدل بعد حرب غزة.
التحول الكبير في الرأي العام
لكن نجاحات “جي ستريت” لم تنعكس دائما في صناديق الاقتراع. فقد خسر عدد من المرشحين الذين دعمهم أمام منافسين يتبنون مواقف أكثر تأييدا للفلسطينيين، وهو ما اعتبره مراقبون دليلا على أن المزاج الديمقراطي تجاوز الخط الوسطي الذي يدافع عنه هذا اللوبي، خاصة مع تنامي الأصوات المطالبة بوقف الدعم العسكري لإسرائيل أو فرض قيود عليه. ويستعرض التقرير تاريخ “جي ستريت” الذي أسسه جيريمي بن عامي عام 2008 بهدف تقديم بديل ليبرالي عن “أيباك”، والدفاع عن حل الدولتين، مع توفير غطاء سياسي للديمقراطيين الراغبين في انتقاد سياسات الحكومات الإسرائيلية دون التخلي عن دعم إسرائيل.
تأثير حرب غزة على المشهد الأمريكي
غير أن الحرب على غزة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أحدثت -بحسب الغارديان- تحولا جذريا في الرأي العام الأمريكي، إذ باتت غالبية الديمقراطيين تنظر إلى إسرائيل بصورة سلبية، بينما ازداد نفوذ التيار التقدمي المؤيد للفلسطينيين داخل الحزب. ونقلت الصحيفة عن الخبير في استطلاعات الرأي آدم كارلسون قوله إن سرعة هذا التحول “نادرة”، مشيرا إلى أنها تفوقت حتى على التحولات التي شهدها الرأي العام الأمريكي بشأن زواج المثليين.
انتقادات داخلية وخارجية
وفي المقابل، يرى منتقدو “جي ستريت” من اليسار أن اللوبي لم يواكب هذا التغير. وتقول بيث ميلر -وهي المديرة السياسية في منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام”- إن الجماعة نجحت سابقا في كسر احتكار “أيباك” للتمثيل السياسي اليهودي، لكنها “لم تلحق بالتحول الكبير داخل الحزب الديمقراطي”. كما تعرّض “جي ستريت” لانتقادات داخلية بسبب رفضه المبكر المطالبة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتردده في استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” لوصف ما يحدث هناك، وهو ما أدى إلى استقالات عدد من موظفيه الشباب.
رؤية المؤسس وتحديات المستقبل
ورغم ذلك، يؤكد مؤسس هذه المنظمة جيريمي بن عامي -في حديثه للصحيفة- أن هدف “جي ستريت” لم يكن تحقيق السلام مباشرة، بل “تغيير السياسة الأمريكية”، معتبرا أن أي تحول في موقف واشنطن قد ينعكس مستقبلا على السياسة الإسرائيلية. لكن المتحدث أقر بأن استمرار مشروع “جي ستريت” مرتبط أيضا بحدوث تحول داخل إسرائيل نفسها، قائلا إن “السياسة الإسرائيلية بحاجة إلى تغيير حتى تظل أفكارنا قابلة للحياة”. وتخلص الغارديان إلى أن “جي ستريت” نجح في ترسيخ نفسه داخل المؤسسة الديمقراطية، إلا أن صعود التيار التقدمي المؤيد للفلسطينيين يضعه أمام اختبار صعب، إذ باتت محاولاته الجمع بين دعم إسرائيل وانتقاد سياساتها تبدو -بالنسبة لكثير من الناخبين الديمقراطيين- أقل قدرة على مواكبة التحولات السياسية المتسارعة.
ما هو “جي ستريت”؟
“جي ستريت” هو لوبي يهودي أمريكي ليبرالي، أسسه جيريمي بن عامي عام 2008، ويقدم نفسه كبديل معتدل عن “أيباك”. يهدف إلى دعم إسرائيل مع انتقاد سياسات حكوماتها، والدفاع عن حل الدولتين، وتوفير غطاء سياسي للديمقراطيين الراغبين في موقف أكثر توازنا.
كيف يختلف “جي ستريت” عن “أيباك”؟
بينما تتبنى “أيباك” مواقف متشددة تجاه إسرائيل، يسعى “جي ستريت” إلى تقديم خطاب أكثر ليبرالية، مع التركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكنه يواجه انتقادات من اليسار لعدم كفاية انتقاداته لإسرائيل، خاصة بعد حرب غزة.
هل يمكن أن يصبح “جي ستريت” بديلا حقيقيا لـ “أيباك”؟
رغم نموه، لا يزال “جي ستريت” بعيدا عن نفوذ “أيباك” التقليدي. لكن التحولات في الرأي العام الديمقراطي قد تمنحه فرصة، خاصة إذا تمكن من مواكبة المطالب المتزايدة بوقف الدعم العسكري لإسرائيل.