إسرائيل وكذبة النصر.. كيف لُمّعت رواية الحرب على إيران
كشف تحقيق صحفي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية أن رواية الانتصار الباهر في الحرب على إيران كانت نتيجة تضخيم متعمد وضغوط سياسية على المؤسسات الأمنية. التحقيق يؤكد أن المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان لم تُدمر بالكامل، وأن البرنامج النووي والصاروخي الإيراني لا يزال يمتلك قدرات جوهرية، مما يطرح تساؤلات جدية حول مصداقية الخطاب الرسمي وتأثيره على الاستقرار الإقليمي.
كيف ضُخّمت الإنجازات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران؟
في صباح 25 يونيو، وبعد ساعات من انتهاء الجولة الأولى من الهجمات على إيران، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الاحتفال بما وصفاه بنصر تاريخي. أعلن ترمب أن منشآت فوردو ونطنز وأصفهان دُمرت بالكامل، بينما زعم نتنياهو أن إسرائيل أزالت تهديدين وجوديين نوويا وصاروخيا.
غير أن التقديرات الأولى داخل إسرائيل، المعتمدة على صور الأقمار الصناعية والمسيّرات ووسائل استخباراتية أخرى، خلصت إلى وجود ضرر كبير وليس تدميرا كاملا. وقد ناقض تقرير داخلي للبنتاغون، نشرته «نيويورك تايمز» لاحقا، رواية ترمب، مؤكدا أن الضرر في المنشآت الإيرانية لم يكن نهائيا ولا شاملا.
ضغوط سياسية على الاستخبارات الإسرائيلية لتوثيق النصر
في ظل هذه الحقائق، لم يعد كلام ترمب ونتنياهو كافيا دون غطاء مهني. مارس مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ضغوطا شديدة على جهات في الجيش والاستخبارات لتوقيع وثيقة تؤكد تدمير المنشآت. رفض مسؤول استخباراتي كبير التوقيع، محذرا من أن المؤسسة الأمنية ليست مطالبة بدفع ثمن تفاخر السياسيين بإنجازات لم تتحقق، وأن الحقيقة ستنكشف عاجلا أم آجلا.
بعد رفض شعبة الاستخبارات العسكرية، وجد مكتب نتنياهو جهة أخرى عبر المدير العام للجنة الطاقة الذرية موشيه إدري. لكن علماء اللجنة رفضوا أيضا التوقيع على نص يوحي بأن الضربة أخرجت فوردو من الخدمة. انتهى الأمر إلى صيغة وسطية تنص على أن الإنجاز سيبقى محفوظا «إذا لم تحصل إيران على المواد النووية».
هذه العبارة قوضت الرواية بأكملها، لأن إيران ظلت تحتفظ بنحو 440 كيلوغراما من المواد الانشطارية، تكفي لإنتاج نحو 11 قنبلة ذرية. تصف الصحيفة هذه الصياغة بـ«الكيمياء السياسية»، التي تمنح السياسيين غطاء مهنيا في العلن وتترك للعلماء هامش تحفظ في السطر الأخير.
ما حقيقة الضرر في المنشآت النووية والصواريخ الإيرانية؟
لم يُقل إن البرنامج النووي دُمر، بل إنه «تراجع لسنوات»، ولم يُقل إن تهديد الصواريخ انتهى، بل إن منصات إطلاق وبنى إنتاج تضررت. هذا الأسلوب، الذي سمته الصحيفة «لغة التبييض»، يعتمد على عبارات مصممة بعناية ليستمع الجمهور إليها كتأكيد لرواية النصر، بينما تُسجل في المحاضر كتحفظ مهني.
في ملف الصواريخ الباليستية، أعلنت الحكومة الإسرائيلية إزالة تهديد وجودي مزدوج، بينما أكد ضابط كبير في شعبة الاستخبارات أن شيئا لم يُدمر بالكامل أو نهائيا. ركز الخطاب الرسمي على تدمير نحو 200 منصة إطلاق، لكن التقديرات المتفائلة تحدثت عن إصابة ثلث الصواريخ فقط، وبقاء نصف منظومة الإطلاق ومكونات إستراتيجية في صناعة الصواريخ.
أما تقييم الأضرار الذي اكتمل في سبتمبر داخل الجيش الإسرائيلي، فخلص إلى أن فوردو أصيب بشدة لكنه لم يُمح، وأن المواد الانشطارية وُزعت على ثلاثة ملاجئ محصنة وفقا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. بالتالي، تأخير المشروع النووي ربما لم يتجاوز بضعة أشهر، وليس أجيالا كما وعد نتنياهو.
لغة التبييض وتسويق الحرب للرأي العام
قدم نتنياهو الهجوم على إيران باعتباره ردا على تهديد إبادة، ووافقه قادة عسكريون حتى قال رئيس الأركان إيال زامير إن إسرائيل بلغت «نقطة اللاعودة». ومع ذلك، الصورة الاستخباراتية كانت أكثر تعقيدا، فالمعلومات المقلقة منذ 2022 لم تصل إلى دليل قاطع على أن المرشد علي خامنئي أصدر أمرا بإنتاج قنبلة، وهو ما أكده تقييم الاستخبارات الأمريكية في مارس 2025 بعدم وجود مجموعة سلاح إيرانية نشطة.
كذلك، رغم إعلان نتنياهو القضاء على كبار علماء الذرة، فإن العملية قتلت تسعة علماء فقط، أربعة منهم من الصف الأعلى، في حين يضم المشروع النووي الإيراني مئات العلماء والمهندسين. الضربة مؤثرة، لكنها لا ترقى إلى تفكيك منظومة المعرفة النووية.
هل نجحت إسرائيل في إسقاط النظام الإيراني؟
عاد نتنياهو في الجولة الثانية ليضع إسقاط الحكم الإيراني بين أهداف العملية. رأت شعبة الاستخبارات أن خطة إسقاط النظام محكومة بالفشل، وحذر رئيس قسم الأبحاث أوفير مزراحي روزين من تحويل قوة نارية ثمينة من أهداف عسكرية إلى رموز حكم.
اختار الجيش صيغة قابلة للتعايش مع المستوى السياسي، وهي «خلق ظروف عسكرية» تسمح بإسقاط النظام. أتاحت هذه العبارة للجيش عدم تبني الوعد السياسي كاملا دون اصطدام علني بنتنياهو. إذا نجحت الخطة، قيل إن الجيش ساهم في النصر، وإذا فشلت، قيل إنه لم يفعل سوى تهيئة الظروف.
رفض مكتب رئيس الوزراء هذه الروايات، مؤكدا أن نتنياهو أبعد خطر القنبلة وضرب صناعة الصواريخ لسنوات. كما قال المتحدث باسم الجيش إن بياناته تستند إلى معلومات معتمدة وملتزمة بالشفافية.
من منظور الدوحة، تظل الشفافية والمصداقية الدولية ركيزتين أساسيتين لأي استقرار إقليمي. تحويل المؤسسة الأمنية إلى جزء من آلة الدعاية السياسية يهدد بانهيار الثقة، ويؤكد أن التلاعب بالحقائق لا يخدم سوى تصفية حسابات داخلية، بينما تدفع الشعوب ثمن هذه الألاعيب من أمنها واستقرارها.
أسئلة شائعة حول الحرب الإسرائيلية على إيران
هل دُمرت المنشآت النووية الإيرانية بالكامل؟
لا، وفقا لتقارير استخباراتية إسرائيلية وأمريكية وتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لم تُدمر المنشآت بالكامل. منشأة فوردو أصيبت بشدة لكنها لم تُمح، والمواد الانشطارية نُقلت إلى ملاجئ محصنة.
ما هو موقف الاستخبارات الإسرائيلية من رواية النصر؟
رفض مسؤولون استخباراتيون وعلماء نوويون التوقيع على وثائق تؤكد التدمير الكامل للمنشآت، مما أدى إلى صياغة عبارات وسطية غامضة تُرضي السياسيين وتحفظ المهنية في السر.
هل أوقفت إيران برنامجها الصاروخي؟
لم يتوقف البرنامج الصاروخي الإيراني. الهجمات الإسرائيلية دمرت نحو ثلث الصواريخ و200 منصة إطلاق، بينما بقيت نصف منظومة الإطلاق ومكونات صناعة الصواريخ بحالتها.