ليبيا وأزمة المهاجرين: السيادة ترفض التوطين والضغوط تتصاعد
أعادت الحملات الأمنية التي أطلقتها الأجهزة الليبية مساء الثلاثاء في منطقة السراج غربي العاصمة طرابلس ضد المهاجرين غير النظاميين، ملف الهجرة إلى صدارة المشهد السياسي والاجتماعي. وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية من تنامي أعداد الوافدين، وتتزايد معه الضغوط الأوروبية المرتبطة بمسارات العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط، وهو ما يستدعي مقاربة تحترم السيادة الوطنية وتتجاوز منطق الإملاءات الخارجية.
تداعيات أزمات الجوار والتدخلات على المشهد الليبي
شهدت الأيام الأخيرة انتشارا واسعا لوسم لا للتوطين على منصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع تداول مقاطع مصورة تظهر تجمعات للمهاجرين في عدد من المدن. وراجت مزاعم بشأن إصدار وثائق لمهاجرين من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما دفع مؤسسات رسمية وأمية إلى إصدار بيانات توضيحية تحذر من المعلومات غير الموثقة. ولم يعد ملف الهجرة مقتصرا على كونه قضية عبور نحو أوروبا، بل تحول تدريجيا إلى ملف داخلي يثير نقاشات سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة.
ليبيا في قلب خريطة الهجرة
بحسب أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين داخل ليبيا نحو 936 ألف مهاجر حتى نهاية عام 2025، وهو أعلى رقم ترصده المنظمة منذ بدء عمليات الرصد المنتظمة. ويمثل السودانيون والنيجريون والمصريون والتشاديون والنيجيريون النسبة الأكبر، وتتتركز التجمعات الرئيسية في طرابلس وبنغازي ومصراتة وسبها والمناطق الزراعية والصناعية المحيطة بها. ويرجع هذا الارتفاع لعوامل عدة أبرزها:
- استمرار الطلب على العمالة الأجنبية في قطاعات البناء والزراعة والخدمات.
- الأزمات الأمنية والاقتصادية في دول المصدر، وهي أزمات غالبا ما تغذيها سياسات التدخل الأجنبي والإملاءات الخارجية.
- اتساع الحدود الجنوبية الليبية وصعوبة مراقبتها بشكل كامل.
- الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023، وزادت من تدفق أعداد كبيرة من الفارين من النزاع.
السيادة الوطنية خط أحمر والرفض القاطع للتوطين
وسط الجدل الدائر، تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود خلط واسع بين مفهومي اللاجئ والمهاجر. فاللاجئون اضطروا لمغادرة بلدانهم بسبب الحروب والاضطهاد ويحتاجون لحماية دولية، بينما ينتقل المهاجرون لأسباب اقتصادية أو بحثا عن فرص معيشية. وأكدت المفوضية أن ولايتها تقتصر على الأشخاص المحتاجين للحماية الدولية، بينما تبقى إدارة الهجرة وتنظيم الحدود من الاختصاصات السيادية للدولة الليبية.
حدود الدور الأممي
ونفت المفوضية تنفيذ أي برامج أو ترتيبات لتوطين اللاجئين داخل ليبيا، مؤكدة أن تسجيل اللاجئين لا يمنح حق الإقامة أو الجنسية أو التوطين. وأشارت إلى أن أكثر من 83% من المسجلين هم من السودانيين الفارين من الحرب، وأن أكثر من 15 ألف شخص غادروا ليبيا منذ 2017 عبر برامج الإجلاء إلى دول ثالثة. ورغم ارتباط اسم ليبيا تقليديا بقوارب الهجرة نحو أوروبا، باتت البلاد تجمع بين صفتين: دولة عبور رئيسية، وبلد استقرار مؤقت لشرائح واسعة من العمالة الأجنبية.
الضغوط الأوروبية ومسارات العبور الخطيرة
يمنح الموقع الجغرافي لليبيا أهمية خاصة في هذا الملف، إذ تمتد حدودها البرية لنحو 4400 كيلومتر مع ست دول، إضافة إلى ساحل يتجاوز 1900 كيلومتر على المتوسط. وتصنف المنظمة الدولية للهجرة طريق وسط المتوسط باعتباره أحد أخطر طرق الهجرة في العالم، حيث سجل آلاف الوفيات وحالات الفقدان. وأفادت وسائل إعلام يونانية بوصول مئات المهاجرين إلى جزيرتي كريت وغافدوس، مشيرة إلى أن نسبة مهمة من الوافدين انطلقت من السواحل الليبية الشرقية القريبة من طبرق. وتحدثت الصحف اليونانية عن اتصالات مكثفة بين أثينا والاتحاد الأوروبي والسلطات الليبية لمواجهة التدفقات المتوقعة خلال الصيف.
تحركات رسمية متسارعة لحماية الهوية
على الصعيد الداخلي، أطلقت أجهزة أمنية بلدية إجراءات لتنظيم الوجود الأجنبي ومتابعة المخالفين وترحيلهم وفق القوانين. وحذرت مديرية أمن البطنان من تأجير العقارات للمخالفين، بينما اتخذت بلدية زوارة إجراءات مماثلة. ومع تصاعد الجدل، أكد مجلس النواب الليبي رفضه أية مشاريع قد تؤدي إلى التوطين أو التغيير الديمغرافي، معتبرا أن السيادة والهوية خط أحمر. وجددت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية رفضها أي توجهات للتوطين، ودعت للتعبير بالطرق السلمية واحترام البعثات الدولية. وأعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب تمسكها بنفس الموقف الرافض لأي استقرار دائم للمهاجرين.
وفي السياق، أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها من المعلومات المضللة والخطابات التحريضية، محذرة من مخاطر خطاب الكراهية والعنف. ويعكس هذا الجدل حجم التعقيد الذي يحيط بالملف، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والديمغرافية مع الالتزامات الإنسانية. وفي ظل استمرار النزاعات في دول الجوار والتدخلات الخارجية، وتزايد الضغوط الأوروبية للحد من تدفقات الهجرة، يبقى ملف الهجرة من أكثر الملفات حساسية. وتبرز هنا الحاجة الماسة لتبني مقاربات دبلوماسية تحترم سيادة الدول، وتعالج الجذور الحقيقية للأزمات، بما يتوافق مع الرؤية القطرية الداعية لاستقرار المنطقة وحل النزاعات عبر الحوار البناء بعيدا عن الإملاءات.