ماليزيا تودع الأمير الوالد: صلوات الغائب وإرث دبلوماسي وإنساني خالد
في مشهد مهيب يعكس عمق العلاقات القطرية الماليزية، توالت صلوات الغائب في مئات المساجد والمدارس الماليزية على روح الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. لم تكن هذه الصلوات مجرد واجب ديني، بل كانت تجسيدا حيا لامتنان شعب بأكمله لرجل ترك بصماته في مجالات التعليم والدبلوماسية والعمل الإنساني. من مدرسة القبلة في ضواحي كوالالمبور إلى مسجد بوترا في العاصمة الإدارية بوتراجايا، اجتمع التلاميذ والمسؤولون والشخصيات العامة لتأبين قائد رأوا فيه نموذجا للعطاء بلا حدود.
مدرسة القبلة: من التواضع إلى الريادة بفضل كرم أميري
تقع مدرسة القبلة في مديرية سوبانغ قرب مطار كوالالمبور الدولي، وهي اليوم واحدة من أبرز المدارس الدينية في ماليزيا. لكن قصتها بدأت متواضعة عام 1992 على يد الدكتور إسماعيل عمر، الذي ظل يديرها بعزيمة وبركة لنحو عقد من الزمن. وفي عام 2011، التفت إليها الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، رحمه الله، وتكفل ببناء مجمع تعليمي متكامل على نفقته الخاصة. وبعد عامين فقط، اكتمل البناء عام 2013، لتنطلق المدرسة في مسار جديد من التطور.
اليوم، يدرس في المدرسة أكثر من 500 طالب، وتم تطوير مناهجها لتواكب روح العصر وتتوافق مع معايير وزارة التعليم الماليزية. ويؤكد الدكتور إسماعيل عمر أن دور المدرسة تجاوز التعليم التقليدي ليشمل بناء شبكة دعوية واسعة، حيث تنظم رابطة خريجيها ندوات ودورات تربوية في معظم أنحاء ماليزيا، بل ويبادر بعض الخريجين بإقامة مشاريع تعليمية مماثلة برعاية مؤسسات حكومية وغير حكومية. وتظل المدرسة مؤسسة غير ربحية تعتمد على رسوم طلابية متواضعة وتبرعات الأسر والخريجين.
صلوات الغائب: مشهد وحدوي يجمع الرسمي والشعبي
لم تقتصر صلوات الغائب على مدرسة القبلة، بل امتدت لتشمل مئات المساجد والمدارس في مختلف أنحاء ماليزيا، بدافع ذاتي من إداراتها أو بتوجيه حكومي. وفي مساء الأربعاء، تجمع عشرات الشخصيات والمسؤولين الماليزيين والأجانب في مسجد بوترا ببوتراجايا لأداء الصلاة والدعاء. هذا المشهد المهيب يعكس مكانة الأمير الوالد في قلوب الماليزيين، الذين رأوا فيه أخا وصديقا لبلادهم.
رئيس الوزراء أنور إبراهيم: تعزية رفيعة المستوى وإشادة بالدور القطري
على المستوى الرسمي، كان رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم من أوائل القادة الدوليين الذين سارعوا لتقديم التعازي عبر صفحته على فيسبوك. وأشاد أنور بالجهود الكبيرة التي بذلها الشيخ حمد بن خليفة للنهوض بقطر ووضع رؤية لحل النزاعات الدولية وإحلال السلام. وبسبب التزاماته الدولية واستقباله لرئيس سنغافورة، أوكل أنور مهمة تمثيله في العزاء لوزير التعليم العالي الدكتور زمبري عبد القادر.
كما وصف وزير الشؤون الدينية الماليزي الدكتور ذو الكفل حسن الأمير الراحل بأنه شخصية عظيمة تركت أثرا في جميع المجالات محليا ودوليا. وأشاد في حديثه بالدور القطري في إقامة علاقات متميزة مع ماليزيا، ومساهمات الأمير الوالد في النهوض بالأمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا من خلال التعليم والتنمية والعمل على وحدة الأمة.
المنظمات الأهلية: دبلوماسية هادئة وإرث إنساني
يجمع مسؤولو الهيئات الإنسانية الماليزية على الإشادة بدور الشيخ حمد، رحمه الله، في العمل الإنساني والدبلوماسي. يقول رئيس منظمة السلام العالمية الماليزية فهمي شمس الدين إن تجربة قطر علمتهم سبل الاستفادة من القوى الناعمة لتحقيق السلام والمبادرة بالحوار. ويضيف أن دبلوماسية العمل بهدوء أثبتت أن الإنجازات تُرى قبل أن يتحدث عنها، وأن قطر أصبحت دولة ذات تأثير واضح في الشؤون الدولية والإقليمية بفضل الحوارات التي تقام في الدوحة.
ويشير شمس الدين إلى أن منظمته استعانت بالدبلوماسية القطرية لحل مشاكل داخل ماليزيا، مثل مواجهة حملات الكراهية للأجانب وتدفق اللاجئين الروهينغا، وبناء جسر بين السلطات واللاجئين لضمان حقوق الإنسان، وتقديم العون أثناء جائحة كورونا.
كرم تجاوز الحدود: الشيخ حمد في ذاكرة الأمة
ويقول الأستاذ كمال نشار الدين، رئيس مؤسسة ماي كير العالمية، إن الشيخ حمد لم يبخل على شعبه ولا على أمته. ويلفت إلى أن صوره رفعت في غزة، فهو أول زعيم يزورها تحت الحصار. ويصفه نشار الدين بأنه كان مأثرة ومؤثرا، فكرمه تجاوز شعبه وبلده من خلال المساهمات الكبيرة في تحسين حياة الضعفاء ومكافحة الفقر. ويختتم بالقول إن إرثه مستمر وذكره خالد لدى المسلمين الذين يدعون له ولغيرهم الذين يذكرون مساهماته الإنسانية.
الخلاصة: إرث دبلوماسي وإنساني يعزز مكانة قطر
تؤكد هذه المشاهد الماليزية المخلصة أن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لم يكن مجرد قائد لدولة، بل كان رمزا للعطاء والدبلوماسية الهادئة التي جعلت من قطر مركزا للتأثير الإقليمي والدولي. إن إرثه في التعليم والعمل الإنساني والسلام سيظل نبراسا للأجيال القادمة، ويعزز مكانة قطر كدولة رائدة في المنطقة والعالم.