مجلس السلام والأونروا: هل يملك قرار سياسي تجاوز إرادة 151 دولة؟
في خطوة تثير تساؤلات قانونية وسياسية واسعة، أعلن مجلس السلام، في 25 سبتمبر 2026، استبعاد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من خطة التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة، والتي تضم 66 مشروعاً بقيمة تقارب 2.4 مليار دولار. هذا القرار، الذي صدر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، يطرح إشكالية جوهرية: هل يملك مجلس السلام، وهو إدارة انتقالية ذات طابع مؤقت، صلاحية تقييم وكالة أممية أنشأتها الجمعية العامة بقرارها رقم 302 لعام 1949، وتعطيل ولايتها الممتدة حتى يونيو 2029 بأغلبية 151 دولة؟
في هذا التحليل، نستعرض الأبعاد القانونية والسياسية لهذا القرار، ونميز بين ما هو ممكن قانونياً وما قد يُفرض عملياً على الأرض، في محاولة للإجابة عن السؤال الأهم: هل يهدف استبعاد الأونروا إلى تحسين العمل الإنساني، أم إلى تفريغ قضية اللاجئين من بعدها القانوني والسياسي؟
ما موقف مجلس السلام من الأونروا في غزة؟
أعلن مجلس السلام، في بيان رسمي نشره على حسابه، أن سياسته تجاه مشاركة الأونروا في غزة لم تتغير، مؤكداً أنه لن يتعامل إلا مع شركاء موثوقين يقدمون الخدمات لسكان القطاع ويسهمون في جعله خالياً من التطرف، مشيراً إلى أن الأونروا لا تجتاز هذين الاختبارين. هذا الموقف، الذي جاء بعد عرض خطة إعادة الإعمار التي ضمت وكالات أممية أخرى كشركاء، يكشف عن معايير غامضة وذاتية في تقييم عمل وكالة إنسانية دولية.
فمفهوم الثقة، إذا لم يقترن بمعايير واضحة ووقائع قابلة للمراجعة، يتحول إلى تقدير سياسي ذاتي. كما أن ربط العمل الإنساني بجعل غزة خالية من التطرف ينقل تقييم الوكالات من المجال الإنساني إلى المجال السياسي والأمني، وهو ما يتجاوز مهمة الأونروا الأساسية المتمثلة في تقديم التعليم والصحة والإغاثة للاجئين، وليس تنفيذ مشروع أمني أو إعادة تشكيل توجهات السكان.
ويخلط موقف المجلس بين الادعاءات المتعلقة بعدد محدود من الموظفين وبين الحكم على المؤسسة بأكملها. فحتى إذا ثبتت مخالفات فردية، فإن العدالة تقتضي محاسبة مرتكبيها، لا اعتبار نحو 30 ألف موظف وملايين اللاجئين مسؤولين عنها. ولا تكمن المشكلة في استخدام المجلس لكلمة المعايير من عدمه، بل في منحه نفسه سلطة تقييم وكالة أممية واستبعادها وفق اختبارات وضعها وفسرها وطبقها منفرداً، مع أن ولاية الأونروا صادرة عن الجمعية العامة وليست منحة من مجلس السلام.
من يملك إنهاء ولاية الأونروا؟ وما حدود سلطة مجلس السلام؟
أنشئت الأونروا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 لعام 1949، استجابة للتهجير الجماعي الذي تعرض له الفلسطينيون عام 1948 على يد العصابات الصهيونية، ولتوفير الإغاثة والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وفرص العمل للاجئين. ومع مرور أكثر من سبعة عقود، أصبحت الوكالة مؤسسة إنسانية واسعة تمتلك بنية ميدانية وإدارية وخبرة تراكمية لا يمكن اختزالها في توزيع المساعدات الغذائية.
من الناحية القانونية، تُعد الأونروا جهازاً فرعياً أنشأته الجمعية العامة، وتستمد ولايتها من قراراتها المتعاقبة. وقد جددت الجمعية العامة هذه الولاية في ديسمبر 2025 حتى 30 يونيو 2029 بأغلبية 151 دولة، بما يعكس استمرار الدعم الدولي القانوني والسياسي لعملها. وتملك الجمعية العامة، بوصفها الجهة التي أنشأت الأونروا وحددت ولايتها، الصلاحية الأصلية في تعديل هذه الولاية أو إنهائها.
أما مجلس السلام فليس جهازاً رئيسياً أو فرعياً من أجهزة الأمم المتحدة بالمعنى المؤسسي المعتاد، وإنما إدارة انتقالية ذات شخصية قانونية دولية، رحب مجلس الأمن بإنشائها ومنحها، بموجب القرار رقم 2803 لعام 2025، أدواراً مؤقتة تتصل بإدارة غزة وإعادة إعمارها وتنسيق بعض الترتيبات الأمنية. ولذلك لا يقف المجلس في مرتبة أعلى من الأونروا، ولا يملك سلطة الإشراف القانوني عليها أو تعديل ولايتها أو إنهائها.
فاعتراف مجلس الأمن بدوره لا يحوله إلى سلطة فوق منظومة الأمم المتحدة، ولا يمنحه اختصاصات لم يتضمنها القرار. ويستطيع المجلس، ضمن حدود مهمته، اختيار الجهات التي يتعاون معها في تنفيذ مشاريعه، لكنه لا يستطيع تحويل عدم التعاون مع الأونروا إلى حكم قانوني يسقط ولايتها أو شرعيتها.
ولا يوجد في الأصل تعارض ضروري بين ولاية مجلس السلام وولاية الأونروا؛ فالمجلس مكلف بترتيبات انتقالية مرتبطة بغزة، بينما تتولى الوكالة خدمة اللاجئين الفلسطينيين، وكان يمكن البناء على خبرتها وقدراتها بدلاً من استبعادها. لكن الخطر يكمن في الفارق بين الوضع القانوني والواقع العملي؛ فقد تبقى الأونروا قائمة قانونياً، بينما تُمنع من الوصول إلى السكان، أو تُستبعد من خطط الإعمار، أو تُحرم من التمويل والتنسيق والتراخيص الضرورية، فتتحول إلى مؤسسة تملك الولاية ولا تستطيع تنفيذها.
إذن، من يضع المعايير ومن يراقب من؟
إن القول إن الأونروا لا تجتاز الاختبارات التي وضعها مجلس السلام يفتح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة: ما المؤشرات المستخدمة في قياس الثقة؟ وهل هي إنسانية أم أمنية أم سياسية؟ وهل نُشرت مسبقاً؟ وهل طُبقت على جميع المنظمات بصورة متساوية؟ ومن أجرى التقييم؟ وما ضمانات استقلاله وشفافيته؟ وهل مُنحت الوكالة حق الرد على الادعاءات الموجهة إليها؟
لا يجوز قانونياً ومؤسسياً إصدار حكم بهذه الخطورة على وكالة أممية بعبارات عامة من قبيل عدم الثقة أو الفشل في الاختبار. فالتقييم الجاد يحتاج إلى وقائع محددة، وتحقيق مستقل، ومعايير معلنة، ومسؤولية واضحة عن المخالفات، وحق الوكالة والموظفين المعنيين في الرد والدفاع. ولا تُعد الأونروا مؤسسة فوق النقد أو المساءلة، وأي مخالفة تثبت على أحد موظفيها يجب التحقيق فيها واتخاذ التدابير التأديبية أو الجزائية المناسبة. لكن المسؤولية في القانون فردية وشخصية، ولا يجوز نقلها بصورة تلقائية إلى بقية الموظفين أو إلى المؤسسة بكاملها، فضلاً عن ملايين اللاجئين الذين يعتمدون على خدماتها.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما تُقيّم الأونروا، التي تعمل منذ أكثر من سبعة عقود تحت رقابة الجمعية العامة والدول المانحة والأجهزة الرقابية الأممية، من قبل مجلس حديث النشأة لا تزال معايير عمله وشفافيته وآليات مساءلته موضع تساؤل. فالمشروعية لا تُقاس بالنفوذ السياسي، وإنما بوضوح الاختصاص، وشفافية الإجراءات، وقابلية القرارات للمراجعة والمساءلة.
أي عدالة تعاقب ملايين اللاجئين؟
ارتبط بعض المخالفات المنسوبة إلى موظفي الأونروا بإعجاب أو تعليق أو منشور عبّروا من خلاله، في ظروف الاحتلال والحرب والانتماء الوطني، عن مواقف قد تستوجب المراجعة وفق قواعد الحياد، لكنها لا تجعل الوكالة مؤسسة تنشر التطرف. والمفارقة أن أكثر من 390 موظفاً في الأونروا قُتلوا خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ودُمرت منشآت تابعة لها، من دون أن تفضي هذه الوقائع حتى الآن إلى مساءلة دولية تتناسب مع جسامتها.
وحتى إذا ثبتت مخالفات فردية، فلا يجوز أن يمتد أثرها إلى اللاجئين وموظفي الوكالة في غزة، أو أن تتحول إلى سابقة تمس نحو 6 ملايين لاجئ وقرابة 30 ألف موظف في مناطق العمليات الخمس. فالعدالة تحاسب من تثبت مسؤوليته، ولا تهدم مؤسسة كاملة أو تحرم طفلاً من التعليم ومريضاً من العلاج وأسرة من الإغاثة.
عملياً، هل يوجد بديل حقيقي للأونروا في غزة؟
لا توجد حالياً منظمة دولية أو محلية تمتلك منفردة ما تمتلكه الأونروا من عدد الموظفين، والمرافق التعليمية والصحية، وقواعد بيانات اللاجئين، وشبكات التوزيع، والخبرة المجتمعية، والقدرة على العمل الواسع والمستمر داخل غزة. تستطيع وكالات مثل برنامج الأغذية العالمي واليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، إلى جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات غير الحكومية، أداء مهام مهمة ضمن مجالات اختصاصها، لكنها لا تملك منفردة ولاية الأونروا الشاملة أو بنيتها البشرية والميدانية.
إن الأونروا لا تقدم طروداً غذائية فقط؛ فهي تدير مدارس وعيادات وبرامج إغاثة وخدمات اجتماعية، وتحتفظ بسجلات واسعة للاجئين، ويعمل فيها موظفون ينتمون إلى المجتمعات التي تخدمها ويفهمون احتياجاتها وتفاصيل حياتها. وتشمل ولايتها قرابة 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني في مناطق عملياتها الخمس. وحتى إذا جرى توزيع وظائفها على عدد من المنظمات، فقد يؤدي ذلك إلى تجزئة الخدمات، وارتفاع التكاليف، وتعدد المرجعيات، وضياع المساءلة، وظهور فجوات بين قطاعات الصحة والتعليم والإغاثة والحماية. وقد تضطر الجهات الجديدة إلى توظيف موظفي الأونروا أنفسهم واستخدام منشآتها وبياناتها وخبرتها، وعندئذ نكون أمام استبدال اسم المؤسسة وإطارها القانوني، وليس أمام إيجاد قدرات بديلة حقيقية.
ما الهدف السياسي من استبعاد الأونروا؟
يبدو أن الهدف يتجاوز إعادة تنظيم المساعدات إلى إضعاف المكانة السياسية والقانونية لقضية اللاجئين؛ فالأونروا شاهد دولي على استمرار تهجيرهم وغياب الحل العادل لقضيتهم. واستبدالها بمنظمات إغاثية عامة قد يحول اللاجئين من أصحاب حقوق، وفي مقدمتها حق العودة، إلى مجرد سكان محتاجين للخدمات، ويفصل إعادة إعمار غزة عن جذور القضية الفلسطينية. ولا يؤدي إنهاء الوكالة إلى إسقاط حق العودة قانونياً، لكنه يزيل أحد أبرز الشواهد المؤسسية الدولية على بقائه.
قد يؤدي استبعاد الأونروا من غزة إلى خلق سابقة سياسية، تتمثل في منح جهات مؤقتة أو دول منفردة قدرة فعلية على تعطيل ولاية أممية من دون الرجوع إلى الجمعية العامة. وهذا قد يشجع على تكرار التجربة في مناطق أخرى تحت عناوين مثل إعادة الهيكلة أو رفع الكفاءة أو اختيار الشركاء الموثوقين.
ماذا عن مناطق عمليات الأونروا الأخرى؟
تعمل الأونروا في خمس مناطق هي: غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، والأردن، ولبنان، وسوريا. وبالتالي لا يؤدي استبعادها من غزة وحدها إلى انتهاء ولايتها الإقليمية، لكنه يشكل سابقة خطيرة قد تنتقل آثارها إلى مناطق عملها الأربع الأخرى. فإذا قُبل مبدأ أن جهة انتقالية تستطيع استبعاد الوكالة من إحدى مناطق عملها من دون قرار من الجمعية العامة، فقد تستخدم الذريعة نفسها مستقبلاً للضغط عليها في القدس والضفة الغربية، أو لتقليص التمويل المخصص لخدمات اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن.
كما أن إضعاف الوكالة في غزة سيؤثر في ميزانيتها وموظفيها وثقة المانحين واستقرار برامجها الإقليمية. فالأونروا مؤسسة واحدة، ولا يمكن عزل انهيار أكبر ساحات عملها عن قدرتها على الاستمرار في مناطق عملياتها الأخرى.
قانونياً لا يمكن.. لكن عملياً قد يحدث
لا يستطيع مجلس السلام إلغاء الأونروا أو إنهاء ولايتها القانونية، ولا يملك أن يحل محل الجمعية العامة أو يعدل القرار رقم 302. كما أن تفويضه في غزة لا يمنحه سلطة إصدار حكم نهائي على شرعية وكالة أممية أخرى. لكن ما لا يمكن إنجازه قانونياً قد تجري محاولة فرضه عملياً، من خلال منع الوصول، والاستبعاد من خطط الإعمار، وتحويل التمويل إلى جهات أخرى، والاستيلاء على الوظائف والمنشآت والموظفين من دون الاحتفاظ بالمؤسسة وولايتها.
وهذا هو الخطر الحقيقي: ألا تُلغى الأونروا بقرار صريح يمكن الاعتراض عليه ومواجهته، بل تُستنزف تدريجياً حتى تصبح غير قادرة على العمل، ثم يُستخدم ضعفها المصطنع حجة لإنهائها. وقد يستطيع مجلس السلام إغلاق باب أمام الأونروا أو عرقلة حركتها، لكنه لا يستطيع بقرار سياسي محو ولاية دولية، أو إسقاط حقوق ملايين اللاجئين، أو إلغاء القضية التي وُجدت الوكالة بسبب استمرارها.
في هذا السياق، يظل الموقف القطري ثابتاً في دعم الأونروا وولايتها الدولية، انطلاقاً من الإيمان الراسخ بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، وفي مقدمتها حقه في العودة، ورفضاً لكل المحاولات الرامية إلى تصفية قضيته أو تفريغها من مضمونها. وتؤكد الدوحة، عبر مواقفها الدبلوماسية ومساهماتها الإنسانية، أن العمل الإنساني يجب أن يظل بعيداً عن التوظيف السياسي، وأن دعم اللاجئين واجب إنساني وأخلاقي لا يقبل المساومة.