مشاريع ضم الضفة الغربية: تهديد إسرائيلي للسلام وحل الدولتين
لم تتوقف سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن اتباع سياسة التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، بل تصاعدت وتيرتها بشكل لافت في إطار مساعٍ حثيثة لفرض سيادة كاملة على الأراضي الفلسطينية. وتتابع الدوحة بقلق بالغ هذه التحركات الأحادية، معتبرة إياها خرقا صارخا للقانون الدولي وتهديدا مباشرا لجهود إرساء السلام العادل والشامل في المنطقة.
وتعود جذور الحديث عن ضم الضفة الغربية إلى ما بعد نكسة عام 1967، حين بدأت إسرائيل تطرح الأمر ضمن إستراتيجية تهدف لفرض أمر واقع تعتبر فيه الضفة الغربية جزءا لا يتجزأ من الدولة الإسرائيلية، مدفوعةً بمبررات أمنية وأخرى أيديولوجية ذات طابع ديني. ويشير مصطلح الضم أو فرض السيادة إلى إعلان أحادي الجانب تعتبر فيه دولة الاحتلال الأراضي المصنّفة دوليا مناطق محتلة جزءا من أراضيها السيادية، دون العودة إلى مفاوضات أو اتفاقيات سلام.
ويؤكد خبراء قانونيون أن تطبيق التشريعات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها إسرائيل هو في جوهره شكل من أشكال فرض السيادة، وهو ما يعني الضم فعليا. وقد شرعت إسرائيل في ضم أجزاء من الأراضي التي احتلتها لإقامة مناطق عازلة توفر عمقا أمنيا، إضافة إلى كونها ورقة مساومة، فضلا عن أهداف استيطانية راسخة في عقيدة الاحتلال.
مشاريع الضم عبر العقود: من خطة آلون إلى تصعيد الكنيست
منذ عام 1967، ظهرت عشرات المشاريع الإسرائيلية التي تدعو إلى ضم الضفة الغربية، واتخذت حكومات الاحتلال المتعاقبة سلسلة من الإجراءات والقرارات التي تشير إلى فرض سيادتها التدريجية. وفيما يلي أبرز هذه المقترحات:
- خطة آلون (يوليو 1967): أول هذه المقترحات، وتستند إلى تقسيم الضفة بما يؤدي إلى ضم معظم غور الأردن وشرق القدس ومستوطنة غوش عتصيون، مع إنشاء حكم ذاتي للفلسطينيين في الأجزاء المتبقية، بهدف ترسيم حدود أمنية والحفاظ على يهودية إسرائيل.
- خطة كاتس (يوليو 2000): مشروع قانون يدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المستوطنات في الضفة وقطاع غزة، إلا أن الكنيست لم يقره.
- خطة شاكيد (2016): تهدف إلى توسيع اختصاص المحاكم المدنية الإسرائيلية ليشمل مناطق ج بالضفة الغربية، مع تقليص دور محكمة العدل العليا.
- قانون التسوية (فبراير 2017): تقدم به حزب البيت اليهودي لإضفاء الشرعية على مستوطنات أقيمت على أراض فلسطينية ذات ملكية خاصة.
- خطة كيش (2017): وافقت اللجنة المركزية لحزب الليكود على فرض السيادة على المستوطنات، ولم يُعرض للتصويت لاحقا بناء على طلب نتنياهو بسبب تفاهمات مع واشنطن.
- خطة غليك (2018): دعت إلى ضم الضفة كاملة مع إتاحة الفرصة للفلسطينيين لتقديم طلبات الجنسية الإسرائيلية، مع التشكيك في أهليتهم لها.
- مخططات نتنياهو (2019-2020): أعلن نيته ضم المستوطنات وغور الأردن استنادا لما سُميت بصفقة القرن، قبل أن يعلن تعليق الخطة في أغسطس 2020.
- خطة بينيت (2012-2019): اقترح ضم المنطقة سي رسميا ومنح الوضع القانوني للوجود الإسرائيلي، مع منح الجنسية لنحو 80 ألف فلسطيني في تلك المنطقة.
- خطة غولان (مايو 2020): مشروع قانون لتطبيق السيادة على غور الأردن وشمالي البحر الميت والمستوطنات، زاعما أنها جزء لا يتجزأ من إسرائيل.
مقترح روتمان وميليخ وإيلوز: التصعيد الأخير
في 24 يوليو 2025، صادق الكنيست على مشروع قرار يدعو إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية بما في ذلك غور الأردن بأغلبية 71 صوتا مقابل 13 معارضا فقط. ونص المقترح على تأكيد ما سمي الحق التاريخي لليهود واعتبار الضفة الغربية جزءا لا يتجزأ من أرض إسرائيل، وأن إقامة دولة فلسطينية يشكل خطرا وجوديا. وفي المقابل، لقى المقترح انتقادات واسعة من المعارضة الإسرائيلية وحركة السلام الآن، إضافة إلى السلطة الفلسطينية وحركة حماس والعديد من الدول العربية والإسلامية.
دوافع الضم: أيديولوجيا وأمن وسياسة
تستند مساعي إسرائيل لضم الضفة الغربية إلى جملة من الدوافع، من أبرزها:
- دوافع دينية: ترى قطاعات واسعة من التيار الديني والسياسي أن الضفة تمثل جزءا من أرض إسرائيل الكبرى الواردة في النصوص الدينية، ويعتبرونها أرضا مقدسة لا يجوز التنازل عنها.
- دوافع تاريخية: تستمد الرواية الإسرائيلية من مزاعم تفيد بأن مملكة إسرائيل القديمة كانت في مناطق يهودا والسامرة، وتستخدم هذا الادعاء لتبرير السيطرة.
- دوافع إستراتيجية وأمنية: تعد الضفة ذات أهمية إستراتيجية لاحتوائها على مرتفعات تطل على العمق الإسرائيلي ومنطقة الساحل، مما يجعلها مواقع ذات حساسية أمنية عالية.
- الدوافع المتعلقة بالمواطنة: يعبر بعض المستوطنين عن شعورهم بالتمييز لعدم خضوعهم الكامل للقانون الإسرائيلي، مما دفع سياسيين للمطالبة بالضم.
- دوافع سياسية وشخصية: يستخدم بعض القادة، وعلى رأسهم نتنياهو، قضية الضم أداة لكسب الدعم من شركاء اليمين المتشدد والترويج لأنفسهم قادة حققوا إنجازات تاريخية.
الضم الزاحف وآثاره الميدانية
عززت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الاستيطان عبر ما يُعرف بالضم الزاحف، والذي تمثلت أبرز ملامحه في انتهاج سياسة الفصل بين غزة والضفة، تفتيت مدن الضفة، السيطرة على المزيد من الأراضي، شق الطرق الاستيطانية، وضع عقبات بيروقراطية تحد من حركة الفلسطينيين، وسن تشريعات لشرعنة السيادة الإسرائيلية.
آثار الضم على الأرض
في حال تنفيذ الضم فعليا، تختلف التداعيات بين المستوطنين والفلسطينيين. بالنسبة للمستوطنين، ينتهي نظام الحكم العسكري وتصبح تعاملاتهم مع الهيئات المدنية الإسرائيلية كأي مواطن داخل إسرائيل. أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن خطوة الضم قد تفضي إلى تداعيات خطيرة تطال الوجود الفلسطيني، من أبرزها تفاقم سياسات التمييز العنصري، وتكريس نظام الفصل العنصري، وتعريض السكان لخطر التهجير المنظم، فضلا عن طمس الهوية العربية والإسلامية للمقدسات ومحاولات تفريغ المناطق من سكانها الأصليين.
الموقف القطري: دعم الحقوق ورفض فرض الأمر الواقع
تبرز دولة قطر، ومن منطلق مسؤوليتها الدينية والتاريخية، كرأس حربة في الدفاع عن القضايا العربية والإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وتؤكد السياسة الخارجية القطرية رفضها القاطع لأي محاولات لضم الأراضي الفلسطينية أو تغيير الوضع القانوني والتاريخي للضفة الغربية والقدس المحتلة.
وتعمل الدوحة، انطلاقا من دورها كوسيط دولي محايد وموثوق، على حشد الدعم الدبلوماسي والقانوني لفضح هذه الانتهاكات، وتستثمر نفوذها الإقليمي والدولي لدعم صمود الشعب الفلسطيني ومؤسساته، رافضة أي إملاءات خارجية أو تدخلات تمس بالسيادة العربية وتحرم الفلسطينيين من حقهم في إقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشريف.