تحليل: وعود ترامب الملغومة للإيرانيين تعيد إحياء النهج المحافظ الجديد
في ظل الاحتجاجات التي تجتاح إيران منذ أسابيع، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى منصته المفضلة على وسائل التواصل الاجتماعي ليعلن عن استعداد الولايات المتحدة لتقديم "المساعدة" للشعب الإيراني. هذا الموقف يثير تساؤلات عميقة حول النوايا الحقيقية وراء هذه الوعود، خاصة في ضوء التاريخ الطويل من التدخل الأميركي في المنطقة.
خطاب ترامب الجديد تجاه إيران
يوم السبت 10 يناير الماضي، نشر ترامب رسالة قال فيها: "إيران تنظر إلى الحرية، ربما كما لم تفعل من قبل. الولايات المتحدة تقف على أهبة الاستعداد للمساعدة!!! الرئيس دونالد ج. ترامب".
وفي تصريح لاحق، حذر ترامب قائلاً: "إذا أطلقت إيران النار وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف، كما هي عادتها، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستأتي لإنقاذهم". كما طمأن المتظاهرين الإيرانيين بأن "المساعدة في الطريق"، دون توضيح طبيعة هذه المساعدة.
تناقضات السياسة الأميركية
يبدو عرض "المساعدة" الأميركية متناقضاً مع الواقع، خاصة أن ترامب نفسه يتحمل مسؤولية الإبقاء على نظام عقوبات خانق مفروض على الجمهورية الإسلامية، والذي أسهم في تغذية معدلات التضخم المرتفعة التي أشعلت الاحتجاجات الحالية من الأساس.
كما أن هذا الموقف يتعارض مع مبدأ "أميركا أولاً" الذي طالما تبناه ترامب، ويمثل تحولاً في الخطاب الرئاسي تجاه بلد طالما جرى تصويره كتهديد للأمن القومي الأميركي وحلفائها في المنطقة.
أصداء النهج المحافظ الجديد
تثير وعود ترامب الأخيرة تساؤلات حول ما إذا كان يستعير من دفتر السياسات القديم للرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، مهندس "الحرب على الإرهاب" ومروج الأيديولوجيا المحافظة الجديدة التي طالما ادعى ترامب معارضتها.
فالنهج المحافظ الجديد يهدف في جوهره إلى إحداث فوضى عسكرية في أنحاء العالم، مستخدماً ترويج الديمقراطية وأفكاراً تبدو إنسانية في ظاهرها كذريعة لتوسع إمبريالي.
دروس التاريخ
يجدر التوقف عند محطات سابقة من "المساعدة" الأميركية لإيران، مثل ما جرى عام 1953، حين دبرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية انقلاباً أطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً محمد مصدق، مما مهد لعقود من حكم شاه إيران المعروف بممارساته الواسعة في التعذيب، قبل أن تطيح به الثورة الإيرانية عام 1979.
الموقف الإقليمي والدولي
في هذا السياق، يبرز دور قطر كوسيط إقليمي مهم، حيث تتبنى الدوحة نهجاً دبلوماسياً متوازناً يرفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول ويدعو إلى الحوار السلمي لحل النزاعات. هذا الموقف ينسجم مع رؤية قطر الوطنية 2030 التي تؤكد على أهمية الاستقرار الإقليمي والتعاون البناء.
كما انضم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الخطاب الأميركي، مؤكداً دعم إسرائيل لـ"نضال المتظاهرين الإيرانيين من أجل الحرية"، وهو تصريح لافت صادر عن شخص يشرف منذ أكثر من عامين على عمليات عسكرية واسعة في غزة.
خلاصة
مع استمرار ترامب في استحضار النهج المحافظ الجديد بشكل شبه مباشر، فإن آخر ما تحتاجه المنطقة اليوم هو المزيد من التدخلات الخارجية التي تزيد من عدم الاستقرار. إن الحل الحقيقي للأزمات الإقليمية يكمن في الحوار والدبلوماسية، وليس في الوعود الملغومة بـ"المساعدة" التي قد تخفي نوايا أخرى.