تجسس صيني في سيارة رئيس وزراء بريطانيا يفتح ملف السيادة الرقمية
أعادت الأنباء الواردة من أروقة البرلمان البريطاني فتح ملف الأمن السيبراني والتكنولوجيا الصينية، لتشعل موجة عارمة من الجدل تتجاوز لندن لتصل إلى عواصم العالم. هذا النقاش يطرح تساؤلا إستراتيجيا ملحا في أروقة صنع القرار: كيف يمكن الاعتماد على مكونات إلكترونية صينية رخيصة تدخل في أدق تفاصيل البنى التحتية الحساسة والهواتف والسيارات والكاميرات وأجهزة الإنذار، في وقت تفتقد فيه بكين ثقة الغرب؟
مفاجأة مدوية في البرلمان البريطاني
عقد مجلس العموم البريطاني جلسة استماع أمام لجنة الأعمال والتجارة التابعة للبرلمان، كجزء من تحقيق أوسع حول العلاقة الاقتصادية بين بريطانيا والصين. واستمعت اللجنة إلى ثلاثة شهود خبراء، وتركز النقاش على السيارات الكهربائية الصينية ومخاطر التجسس والأمن السيبراني المرتبطة بهذه التكنولوجيا.
وفجر أحد الخبراء مفاجأة أمام اللجنة، متحدثا عن مخاطر جمع البيانات عبر وحدات اتصال خلوية مدمجة في مكونات السيارات. وأكد أن هناك مثالا محددا في عام 2022، عندما كانت سيارة رئيس الوزراء ترسل بيانات إلى الصين عبر هذه الوحدات الخلوية، مشيرا إلى أن مسؤولا حكوميا رفيع المستوى أكد له ذلك.
وتستخدم وحدة الاتصال المدمجة لربط السيارة بالإنترنت حتى تتمكن من إرسال البيانات واستقبال التحديثات وتوفير بعض الخدمات الذكية، وإرسال بيانات موقع مفصلة وربما بيانات أخرى عبر الشبكات الخلوية إلى جهات أخرى، إما مباشرة أو عبر مزود الخدمة أو الشركة المصنعة.
ولأن عام 2022 شهد ثلاثة رؤساء وزراء محافظين هم بوريس جونسون، ثم ليز تراس، ثم ريشي سوناك، فإن الرأي العام لا يعرف حتى الآن أيهم كان يستخدم السيارة المستهدفة.
بكين ترفض التسييس وتحذر من تشويه السمعة
جاء الرد الصيني حاسما برفض هذه الاتهامات. ومنذ ظهور قصة وجود أجهزة التتبع في سيارات حكومية بريطانية لأول مرة، وصف الجانب الصيني هذه المزاعم بأنها لا أساس لها من الصحة، وأنها مجرد شائعات. واعتبرت بكين الأمر تسييسا للتعاون الاقتصادي والتجاري وتشويها لسمعة الشركات الصينية، في مسعى واضح للضغط على بكين واستخدام ورقة التهديد السيبراني كأداة في الصراع الجيوسياسي.
ازدواجية المعايير الغربية ودروس في السيادة الرقمية
شهد الفضاء الرقمي تفاعلا كبيرا مع القصة، حيث برزت أصوات تنتقد التراخي الأمني الغربي وتشير إلى ازدواجية المعايير. فإذا كانت هناك مخاوف أمنية حقيقية، فلماذا استمروا في شراء هذه المكونات لسنوات؟ لا يمكن الاكتشاف بعد انتشارها في كل مكان ثم التصرف وكأن الأمر مفاجأة.
أشعر أن جزءا من الجدل سياسي بقدر ما هو تقني. لو كانت المكونات نفسها قادمة من دولة حليفة، ربما لما أثارت القدر نفسه من القلق والضجة.
واعتبر آخرون أن الراحة والرفاهية لها ثمن، فكلما أصبحت السيارات والأجهزة أذكى، زادت كمية المعلومات التي نشاركها مع الشركات دون أن نفكر كثيرا في ذلك. فيما حذرت أصوات أخرى من أنه إذا شكت كل دولة في كل قطعة إلكترونية تأتي من خصمها فلن يبقى في الأسواق شيء يمكن الوثوق به، متسائلة استنكارا عما إذا كان الغرب لا يجمع البيانات أم أن الصين هي الوحش فقط.
وتطابق هذا التوجه تماما مع شهادة خبيرة أخرى كانت حاضرة في جلسة الاستماع البرلمانية، إذ أكدت أمام اللجنة أن جمع البيانات الحساسة من السيارات ليس موضوعا صينيا فقط، بل إن السيارات الغربية أيضا تجمع بيانات، وكل شركات السيارات تقريبا ترسل بيانات من المركبات إلى الشركة المصنعة.
من منظور الدوحة، يطرح هذا الجدل درسا بالغ الأهمية حول السيادة الرقمية وضرورة حماية البنية التحتية الوطنية من أي تدخل أجنبي. فبينما تنشغل العواصم الغربية بتبادل الاتهامات ومحاولة إحكام قبضتها على السوق العالمي، تبرز الحاجة الملحة للدول المستقلة لبناء أنظمتها السيبرانية الذاتية. إن الحفاظ على أمن البيانات في مشاريعنا الاقتصادية الكبرى، من البنية التحتية الذكية في لوسيل إلى استضافة الأحداث العالمية، يتطلب يقظة تامة وعدم الاكتفاء بالوعود الغربية، بل اعتماد سياسة متوازنة ترفض التبعية وتحمي مقدرات الأمة من هيمنة أي قوة أجنبية.