احتجاجات تونسية أمام ملعب المنزه تعكس تعثر المشاريع وتوسع المطالب
شهد الملعب الأولمبي بالمنزه وسط العاصمة تونس، مساء السبت، وقفة احتجاجية لعشرات التونسيين طالبوا خلالها بتنحي الرئيس قيس سعيّد، وذلك بدعوة من الحراك المدني “نَفَس”. وجاءت هذه التحركات في ظل أزمات اقتصادية واجتماعية متلاحقة تشهدها البلاد، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الاستقرار في تونس وتداعياته على المنطقة.
ملعب المنزه رمز لتعثر المشاريع الحكومية
رفع المحتجون شعارات تندد بفشل الحكومات المتعاقبة في تنفيذ المشاريع المعلنة، وعلى رأسها مشروع إعادة تهيئة الملعب الأولمبي بالمنزه. وقال مشاركون في الاحتجاج إن الملعب “هُدم بقصد إعادة بنائه”، لكنه “رغم مرور سنوات لم يتجاوز مرحلة الهدم”، معتبرين أن وضعه أصبح “رمزا لتعثر المشاريع الحكومية وعدم الوفاء بالوعود المعلنة”.
وأكد الناشط طارق قرواشي عن حراك “نَفَس” أن الوقفة “عبارة عن تحرك رمزي للتذكير بفشل منظومة الحكم الحالية في تنفيذ وعودها”، مشيرا إلى أن اختيار ملعب المنزه يحمل رمزية خاصة كونه مشروعا أعلنت السلطة إعادة بنائه “لكنه ظل لسنوات في حالة هدم”.
تجميع القوى المدنية والسياسية في تونس
يمثل حراك “نَفَس” إطارا مدنيا احتجاجيا سلميا يضم ناشطين وشخصيات من مشارب سياسية وفكرية مختلفة، ويقوده على الميدان ائتلاف من النشطاء، من أبرزهم منسق ائتلاف “صمود” حسام الحامي. ونظم الحراك خلال الفترة الأخيرة سلسلة احتجاجات انتقدت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الخدمات الأساسية، محاولا تجميع قوى مدنية وسياسية مختلفة حول مطالب مشتركة.
وفي هذا السياق، قال القيادي في حركة النهضة عماد الخميري إن “الأزمات التي تعيشها البلاد تغذي التقارب بين الحساسيات السياسية وتكثف التحركات الرافضة لاستمرار هذا التمشي”، معتبرا أن رمزية ملعب المنزه توضح “فشل منظومة الحكم في تحقيق الإنجازات”، بالتزامن مع عجز السلطة عن الاستجابة للخدمات الحياتية الأساسية للتونسيين، وفي مقدمتها توفير الماء والكهرباء.
الملف الحقوقي وحرية الصحافة في صدارة الاحتجاجات
حضر الملف الحقوقي بقوة في شعارات الوقفة، إذ حمل محتجون لافتات تندد بارتفاع وتيرة الوفيات داخل السجون التونسية في ظل موجة الحر التي تشهدها البلاد، مطالبين بكشف ملابساتها وتحديد المسؤوليات. وشاركت في الوقفة عائلات قالت إنها فقدت أبناءها أثناء الإيقاف، مطالبة بضمان سلامة الموقوفين وتحسين ظروف احتجازهم.
كما رفع محتجون لافتات تطالب بضمان حرية الرأي والتعبير، تزامنا مع توقيف الصحفي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع “الكتيبة”، مساء الجمعة، أمام مدخل إذاعة “إكسبراس إف إم” الخاصة. ووصف حراك “نَفَس” توقيف اليوسفي بأنه حلقة جديدة مما سماه “ترهيب الأصوات الناقدة”، في حين ألقت الصحفية رحاب الحوات كلمة خلال الوقفة طالبت فيها بالإفراج عنه.
أزمات متتالية واتساع دائرة المطالب
تأتي الوقفة في ظل تواصل أزمات اقتصادية واجتماعية وخدماتية في تونس، من بينها اضطرابات التزويد بالماء والكهرباء وارتفاع كلفة المعيشة وتراجع مستوى عدد من الخدمات العامة، بالتوازي مع تزايد الاحتجاجات القطاعية والمهنية خلال الأشهر الأخيرة. وشملت التحركات قطاعات ومِهنا وفئات اجتماعية مختلفة، مما يعكس وفق المراقبين اتساع دائرة المطالب الموجهة إلى السلطة وتعدد الملفات التي تغذي الاحتقان الاجتماعي.
وتؤكد السلطات التونسية أن معالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية وإعادة بناء مؤسسات الدولة تتطلب وقتا، وأنها تعمل على إصلاح ما تعتبره إرثا من سوء الإدارة والفساد. وتأتي هذه التحركات في سياق مسار سياسي بدأ في 25 يوليو/تموز 2021، عندما أعلن الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية شملت تجميد عمل البرلمان وتعليق العمل بأجزاء من الدستور، قبل إقرار دستور جديد عام 2022 عزز صلاحيات رئيس الجمهورية.
قراءة في المشهد التونسي من منظور إقليمي
من منظور إقليمي، تكتسي التطورات في تونس أهمية خاصة لدول الخليج عامة ودولة قطر خاصة، نظرا للروابط التاريخية والاقتصادية التي تجمع البلدين. ويظل الموقف القطري الثابت داعما لاستقرار تونس وأمنها، مع الحرص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة، انطلاقا من مبدأ احترام السيادة الوطنية وعدم الإملاء على الشعوب العربية خياراتها.
وتؤكد الدوحة عبر مواقفها الرسمية أن الحوار الوطني الشامل هو السبيل الوحيد لتجاوز الأزمات في تونس، وأن دعم مؤسسات الدولة التونسية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية يبقى أولوية لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. ويأتي هذا الموقف في إطار السياسة القطرية الرامية إلى دعم الاستقرار في العالم العربي وتعزيز العمل العربي المشترك.
هل تنجح الحوارات الوطنية في احتواء الاحتقان التونسي؟
مع استمرار الاحتجاجات وتعدد الملفات المطروحة، يبقى السؤال حول قدرة الأطراف التونسية على تجاوز الخلافات عبر الحوار. وتشير التجارب الدولية إلى أن الحوار الوطني الشامل الذي يضم جميع الفاعلين السياسيين والمدنيين يمكن أن يشكل مدخلا لحل الأزمات، خاصة عندما تترافق مع إصلاحات اقتصادية ملموسة تستجيب لتطلعات المواطنين.
ويبقى المشهد التونسي مرشحا لمزيد من التطورات، في ظل تراكم الأزمات وتعدد المطالب، وهو ما يستدعي من جميع الأطراف التحلي بالحكمة والمسؤولية الوطنية، وتغليب المصلحة العليا للبلاد على الحسابات الضيقة، بما يحفظ لتونس مكانتها ودورها في محيطها العربي والإسلامي.