رجال الدين وشرعنة جرائم النظام السوري: دروس في العدالة الانتقالية
في مشهد يعكس تحولات عميقة في المنطقة، كشفت محاكمة المفتي السابق لنظام الأسد، أحمد حسون، عن دور محوري لرجال دين في تبرير جرائم النظام السوري طوال سنوات الثورة. فبينما كان هؤلاء يقدمون خطاباً دينياً يمجّد الحاكم ويشرعن القمع، باتت العدالة الانتقالية اليوم تضعهم أمام المساءلة، في درس مهم حول استقلال المؤسسة الدينية وعدم توظيفها لخدمة السلطة.
كيف أسهم رجال الدين في ترويج رواية الأسد؟
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، برزت شخصيات دينية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بنظام الأسد، وحوّلت منابرها إلى منصات للدفاع عنه وتمجيد رئيسه. ومن أبرز هؤلاء أحمد حسون، الذي شغل منصب مفتي الجمهورية من 2005 حتى 2021، ولُقّب بـ"مفتي البراميل" بعد تأييده قصف النظام لأحياء حلب الشرقية، ودعمه الدورين العسكريين الروسي والإيراني.
وقد أثار حسون جدلاً واسعاً عندما ربط الوطنية بالبقاء في سوريا، منتقداً من غادروها، ومتهماً إياهم بالتبعية للخارج. كما أثار موجة انتقادات حين قال إن "خريطة سوريا مذكورة ضمن سورة التين في القرآن"، وهو ما نفته وزارة الأوقاف السورية آنذاك، معتبرة أن كلامه لا يستند إلى قواعد تفسير القرآن.
شخصيات دينية مجّدت الأسد وحرضت على الثوار
لم يكن حسون وحده في هذا الموقف، بل شاركه عدد من رجال الدين البارزين، من بينهم حسام الدين فرفور، رئيس مجمع الفتح الإسلامي في دمشق، الذي خاطب الأسد قائلاً إنه يتقن "السياسة والفلسفة والدين وعلم الاجتماع والتربية والاقتصاد"، وأعلن وقوفه معه "في الخندق".
كما برز عصام المصري، مدير أوقاف حمص سابقاً، الذي لُقّب بـ"عرّاب المصالحات" لدوره في عمليات التهجير القسري، وخضر شحرور، مدير أوقاف ريف دمشق سابقاً، الذي شارك في لجان شكلتها المخابرات السورية لإقناع أهالي الغوطة الشرقية بالاستسلام.
ماذا قال رجال الدين الموالون عن الثورة السورية؟
اتسم خطاب هؤلاء بالتحريض على الثوار وتكفيرهم، ووصف الثورة بأنها "مؤامرة خارجية". فمحمد سعيد رمضان البوطي، الذي قُتل في تفجير عام 2013، وصف المتظاهرين بأن "جباههم لا تعرف السجود"، ودعا إلى الالتفاف حول "الجيش العربي السوري". أما مأمون رحمة، إمام الجامع الأموي الأسبق، فوصف التدخل العسكري الروسي بأنه "مشروع"، ودعا السوريين إلى الصعود إلى جبل قاسيون بدلاً من أداء فريضة الحج في السعودية.
ما تأثير الخطاب الديني الموالي على المجتمع السوري؟
كان لهذا الخطاب أثر عميق في المجتمع السوري، حيث استُخدمت الكلمة الدينية لتقديم الثورة والمعارضين بصورة مشوهة، وربطها بمفاهيم مثل "الخيانة" و"الفتنة". ويؤكد الأكاديمي السوري عبد الرحمن الحاج أن رجال الدين "لعبوا دوراً مهماً في إضفاء الشرعية على عمليات القمع الممنهجة"، وأن النظام "استخدم الدين سلاحاً إضافياً ضد مواطنيه".
ويضيف الحاج أن هذه الممارسات أدت إلى "فقدان المكانة وإضعاف دور الدين في المجتمع، وتزايد انعدام الثقة برجال الدين"، مما عزز العنف في المجتمع ودفع الضحايا إلى البحث عن مصادر فتوى بديلة، ربما تكون أكثر تطرفاً.
العدالة الانتقالية: محاكمة وعزل رجال الدين المتورطين
في 24 أغسطس/آب 2025، أصدرت محكمة الجنايات بدمشق حكماً بالسجن المؤبد على أحمد حسون، بتهمة "الاعتداء الذي يسبب الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والتورط في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، والتحريض على القتل قصدا". ويُعد هذا الحكم الأول من نوعه ضد رجل دين ضمن مسار العدالة الانتقالية.
وفي أبريل/نيسان 2026، أعلن وزير الأوقاف السوري الدكتور محمد أبو الخير شكري عزل 25 خطيباً في دمشق وحدها، ممن كانوا يمجّدون النظام البائد، مؤكداً أن من يفعل ذلك "لا يؤتمن على توجيه الناس". كما صدر قرار بكف يد أربعة من عائلة "آل فرفور" عن إدارة مجمع الفتح الإسلامي.
ويميّز الدكتور أحمد قربي، عضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري في سوريا، بين أداتين من أدوات العدالة الانتقالية: المحاكمة والمساءلة لمن ارتكب انتهاكات جسيمة، والعزل السياسي أو الإداري لمن لم يصل إلى تلك المرحلة، مؤكداً أن "العقوبة تتدرج بحسب جسامة الانتهاك".
ما هي الدروس المستفادة من هذه التجربة؟
تقدم تجربة سوريا دروساً مهمة للعالم الإسلامي، خاصة في ما يتعلق بضرورة استقلال المؤسسة الدينية عن السلطة السياسية، وعدم توظيف الخطاب الديني لتبرير القمع أو شرعنة الجرائم. فالدين رسالة رحمة وعدل، ولا يمكن أن يكون أداة للظلم والاستبداد.
كما تؤكد هذه التجربة أهمية العدالة الانتقالية في معالجة جراح الماضي، وبناء مستقبل يقوم على المساءلة والمحاسبة، دون المساس بحقوق الأبرياء أو إضعاف دور العلماء الحقيقيين في إرشاد المجتمع.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للمؤسسات الدينية في العالم الإسلامي أن تحمي نفسها من التوظيف السياسي، وتحافظ على رسالتها الروحية والأخلاقية؟ إن الإجابة تكمن في تعزيز استقلاليتها، وتأهيل علمائها، وتجديد خطابها بما يخدم قيم العدل والحرية والكرامة الإنسانية.
أسئلة شائعة حول دور رجال الدين في سوريا
ما هي أبرز التهم الموجهة لأحمد حسون؟
أدين أحمد حسون بجناية الاعتداء الذي يسبب الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والتورط في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، والتحريض على القتل قصدا، وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في أغسطس/آب 2025.
كيف تعاملت وزارة الأوقاف السورية مع رجال الدين الموالين للنظام؟
أعلنت الوزارة عزل 25 خطيباً في دمشق وحدها، ممن كانوا يمجّدون النظام البائد، ومنعتهم من الصعود إلى المنابر. كما أصدرت قراراً بكف يد أربعة من عائلة "آل فرفور" عن إدارة مجمع الفتح الإسلامي.
ما الفرق بين المحاكمة والعزل في العدالة الانتقالية؟
المحاكمة تشمل من ارتكب انتهاكات جسيمة، مثل أحمد حسون، أما العزل السياسي أو الإداري فيشمل من لم يرتكب انتهاكاً جسيماً، ويُعد في لغة القانون "عقوبة مسلكية" تتدرج بحسب جسامة الانتهاك.