العراق وأوبك: جدل الحصص النفطية ومستقبل الاستقرار الإقليمي
في مشهد يعكس تعقيدات الدبلوماسية النفطية الإقليمية، يتصدر العراق واجهة النقاش داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) مطالبا بإعادة توزيع الحصص الإنتاجية لتتناسب مع قدراته الفنية واحتياجاته الاقتصادية. ورغم تأكيد بغداد تمسكها بعضويتها في المنظمة، فإن المتغيرات الأخيرة، أبرزها الانسحاب الانفرادي للإمارات، تفرض واقعا جديدا يتطلب حكمة في المفاوضات للحفاظ على استقرار الأسواق وتجنب أي تداعيات قد تؤثر على التوازنات الاقتصادية للدول العربية والإسلامية.
كيف يدير العراق ملفه النفطي مع أوبك؟
أثار تقرير إعلامي أخير جدلا واسعا حول احتمال لجوء العراق إلى الانسحاب من منظمة أوبك إذا لم تستجب لمطالبه برفع الحصة الإنتاجية. ومع ذلك، سارعت الحكومة العراقية إلى نفي هذه الأنبوا جملة وتفصيلا، مؤكدة أن الالتزام بالمنظمة يظل ثابتا، وأن المطالبة بمراجعة سقوف الإنتاج هي حق مشروع يُطرح عبر القنوات الدبلوماسية والفنية المعتادة. وأوضح المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، سليم الركابي، أن بيان الوزارة كان حاسما في نفي فكرة الانسحاب، مشيرا إلى أن بغداد تسعى فقط لتحقيق عدالة في الإنتاج تعوض عقود الحروب والدمار التي تعرضت لها الصناعة الوطنية.
ما هي مبررات بغداد لرفع سقف الإنتاج؟
تستند المطالب العراقية إلى أسس اقتصادية وديموغرافية واضحة. فالحصة الحالية للعراق، التي تبلغ 4.378 ملايين برميل يوميا في يوليو، تبدو غير كافية لبلد يتجاوز عدد سكانه 46 مليون نسمة ويمتلك احتياطيات نفطية هائلة. ويوضح رئيس مركز العراق للطاقة، فرات الموسوي، أن الضغوط المالية الناجمة عن تراجع الصادرات، خاصة مع إغلاق مضيق هرمز، تدفع بغداد للمطالبة برفع حصتها. كما يسعى العراق لتثبيت طاقته الإنتاجية المرجعية استعدادا للمراجعة الفنية لحصص عام 2027، مستفيدا من المتغيرات التي شهدتها المنظمة مؤخرا. وتستهدف الرؤية الاستراتيجية للعراق رفع طاقته الإنتاجية المستدامة إلى نحو 7 ملايين برميل يوميا خلال السنوات المقبلة، مطالبا بزيادة تدريجية فورية تتراوح بين 150 و300 ألف برميل يوميا.
انعكاسات انسحاب الإمارات على معادلات أوبك
شكل انسحاب الإمارات من منظمة أوبك قبل نحو شهرين متغيرا استراتيجيا أثر على قراءة المشهد النفطي الإقليمي. ففي حين أن هذا الانسحاب منح بغداد هامش مناورة أوسع للمطالبة بحصة أكبر، فإنه في الوقت ذاته يضع أمامها تحديا دبلوماسيا؛ إذ أن اتباع نفس النهج الانفرالي قد يضعف التضامن العربي والإسلامي داخل المنظمة. إن الدخول في مواجهة أو استخدام لغة التهديد، كما يحذر الخبير النفطي عاصم جهاد، لا يتناسب مع مكانة العراق كدولة مؤسسة، ويتطلب بدلا من ذلك تفعيل دبلوماسية نفطية ذكية تعزز الموقف التفاوضي دون الإضرار بالمصالح الجماعية. فالمطالبة بحق مشروع يجب أن تطرح بلغة بناءة تحافظ على التوافق الإقليمي.
المخاطر والفرص: الدبلوماسية النفطية خيار الاستقرار
يحمل الانسحاب من أوبك مخاطر جسيمة على استقرار السوق النفطية العالمية. ويشير الخبير في شؤون النفط والطاقة، عادل صادق، إلى أن خروج ثاني أكبر منتج في المنظمة، بإنتاج يبلغ نحو 4.3 ملايين برميل يوميا، قد يغرق السوق بالمعروض ويهز مستقبل المنظمة بأكملها. ورغم أن الانسحاب قد يتيح للعراق عقد اتفاقات ثنائية، مثل مشروع صندوق مشترك للطاقة والتنمية مع الولايات المتحدة يعتمد على تخصيص نحو 500 ألف برميل يوميا، فإن الخيار الأنسب والأكثر حكمة يبقى التفاوض داخل تحالف أوبك بلس. ومن المنتظر أن يحصل العراق على زيادة تقدر بنحو 26 ألف برميل يوميا في الاجتماع المقبل، مع إمكانية اللجوء إلى تعليق العضوية كخيار وسطي إذا استعصت الحلول، إلى جانب الاستمرار في معالجة اختناقات التصدير عبر الاتفاق مع تركيا وتأهيل البنية التحتية، وتفعيل تصدير زيت الوقود عبر ميناء بانياس السوري الذي يتوقع تجاوز 600 ألف برميل قريبا.
هل سينسحب العراق من أوبك فعليا؟
لا، فقد نفت الحكومة العراقية رسميا أي نية للانسحاب، وأكدت تمسكها بعضوية بلادها في المنظمة، معتبرة أن المطالبة بزيادة الحصة هي ملف تفاوضي بحت وليست مقدمة للمغادرة.
ما هو الحل الدبلوماسي المقترح للأزمة؟
يركز الخبراء على أهمية مواصلة التفاوض داخل تحالف أوبك بلس بلغة دبلوماسية متوازنة، ومعالجة تحديات البنية التصديرية عبر الاتفاق مع تركيا وتنويع المنافذ، بما يحقق المصالح العراقية دون الإخلال بالتوازنات الإقليمية التي تحمي استقرار السوق.