ريال مدريد يودّع سياسته التاريخية في الانتقالات.. خبرة أم شباب؟
في تحول لافت يترقبه عشاق كرة القدم في الخليج والعالم، يبدو أن نادي ريال مدريد الإسباني قد طوّى صفحة دامت 14 عاما في سوق الانتقالات، حيث كان يعتمد بشكل شبه حصري على استقطاب المواهب الشابة أو التعاقد مع النجوم المجانيين. صيف 2026 حمل معه مؤشرات واضحة على تغيير هذه القاعدة، وهو ما يعكس رؤية جديدة تهدف إلى تحقيق التوازن بين الخبرة والجاهزية الفورية والاستثمار في المستقبل.
فلسفة النادي الملكي خلال أكثر من عقد قامت على تجنب دفع رسوم كبيرة لضم لاعبين تجاوزوا سن 25 عاما، لكن هذا الصيف شهد وصول الإسباني مارك كوكوريلا (28 عاما) من تشيلسي مقابل نحو 55 مليون يورو، والهولندي دينزل دومفريس (30 عاما) من إنتر ميلان مقابل نحو 20 مليون يورو. هذه الصفقات تعيد إلى الأذهان حقبة سابقة من سياسات النادي، وتطرح تساؤلات حول مستقبل مشروعه الرياضي.
سياسة بدأت مع مودريتش عام 2012
تعود جذور النهج الذي ميّز ريال مدريد إلى عام 2012، حين تعاقد النادي مع الكرواتي لوكا مودريتش خلال الولاية الأولى للمدرب البرتغالي جوزيه مورينيو. ومنذ ذلك الحين، كان النادي نادرا ما يدفع رسوما لضم لاعب يتجاوز 25 عاما، مع استثناءات محدودة شملت إيدن هازارد وتيبو كورتوا وكيلور نافاس.
وبمرور السنوات، اتضح هذا النهج بصورة أكبر: الاستثمار في اللاعبين الشباب وتطويرهم، إلى جانب استغلال فرص التعاقد مع نجوم كبار دون مقابل بعد انتهاء عقودهم، مثل أنطونيو روديغر ودافيد ألابا وكيليان مبابي وترينت ألكسندر أرنولد. هذا النموذج كان يُنظر إليه كنموذج رياضي رشيد، لكنه لم يعد كافيا لتحقيق الألقاب الكبرى.
تغيير أوسع في صيف 2026
لم يقتصر التحول الحالي على اللاعبين الذين تجاوزوا 25 عاما، بل شمل أيضا كسر قاعدة عمرية أخرى. فباستثناء صفقة ألكسندر أرنولد، كان النادي قد تجنب منذ عام 2019 دفع رسوم انتقال لضم لاعب يتجاوز 23 عاما، لكنه كسر هذه القاعدة بصفقتي كوكوريلا ودومفريس، ثم عزز صفوفه بضم البرتغالي برناردو سيلفا والفرنسي إبراهيما كوناتي مجانا.
وفي الوقت نفسه، لم يتخل ريال مدريد عن الاستثمار في الشباب، إذ تعاقد مع الجناح الإيفواري يان ديوماندي (19 عاما) من لايبزيغ في صفقة قد تصل قيمتها إلى 125 مليون يورو. وهكذا يجمع النادي في سوق الانتقالات الحالية بين المواهب الصاعدة واللاعبين أصحاب الخبرة، بدلا من الاعتماد على نموذج واحد.
مورينيو يعيد ترتيب الأولويات
ويأتي هذا التحول في الوقت الذي عاد فيه مورينيو إلى قيادة ريال مدريد، بعد موسم خرج فيه النادي من دون لقب كبير. وتشير التقارير إلى أن المدرب البرتغالي كان له دور مؤثر في بعض اختيارات سوق الانتقالات، ومنها صفقة دومفريس، كما أبدى رغبته في ضم برناردو سيلفا وكوكوريلا.
ويبدو أن الهدف الأساسي هو بناء فريق قادر على المنافسة فورا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستثمار في العناصر الشابة. وقد أنفق ريال مدريد حتى الآن نحو 225 مليون يورو على صفقات صيف 2026، في وقت موّل فيه جانبا كبيرا من هذه النفقات من خلال بيع لاعبين تخرجوا من أكاديميته.
عودة إلى الماضي أم مرحلة جديدة؟
مع ذلك، يصعب اعتبار ما يحدث ثورة كاملة في سياسة ريال مدريد. فالنادي لطالما جمع بين التعاقد مع النجوم الجاهزين والاستثمار في المواهب، وهي فلسفة ارتبطت تاريخيا بفترة الغلاكتيكوس. لكن اللافت هذه المرة هو الجمع في سوق انتقالات واحد بين الإنفاق على لاعبين في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات، والتعاقد مع نجوم آخرين مجانا، والاستثمار بمبالغ ضخمة في مواهب شابة.
وبعد موسمين دون ألقاب كبرى، يبدو أن ريال مدريد يفضل في مشروعه الجديد الحصول على مزيج من الخبرة والجاهزية الفورية والطموح الشاب، بدلا من انتظار اكتمال نضج المواهب وحدها. هذا التوجه الجديد يبعث برسالة واضحة إلى الأندية الكبرى في المنطقة، ومنها أندية قطر، حول أهمية التكيف مع متغيرات كرة القدم الحديثة التي لا تعترف بالثوابت.
ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح هذا المزيج في إعادة ريال مدريد إلى منصات التتويج؟ أم أن السياسة القديمة كانت أكثر حكمة على المدى الطويل؟ الإجابة ستكشفها الملاعب الأوروبية في الموسم المقبل.