في زمنٍ تتواصل فيه الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني في غزة، وتتصاعد فيه أصوات يهود الشتات الرافضة للرواية الصهيونية، تعود إلى الواجهة قصة حركة سياسية يهودية عريقة ظلمها التاريخ والنسيان: حركة «البوند» اليهودية. فما علاقة هزيمة هذا التيار اليساري العلماني بقيام دولة الاحتلال؟ وكيف يمكن لاستعادة هذا التاريخ المنسي أن تعيد تشكيل الوعي الجمعي في زمنٍ تتغير فيه المعادلات؟
ما هي حركة البوند اليهودية؟
تأسست حركة «البوند» (اتحاد العمال اليهودي العام) عام 1897 في روسيا القيصرية، بعد أسابيع فقط من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا. وقد نشأت في فترة اتسمت بمعاداة السامية الشديدة، لتتحول بسرعة إلى حركة جماهيرية وحزب ثوري علماني واشتراكي ليهود أوروبا الشرقية.
على النقيض من المشروع الصهيوني الذي تبنى فكرة الهجرة الجماعية لفلسطين، ركز البونديون على النضال من أجل حقوق العمال والحرية الثقافية والكرامة الإنسانية في مواطنهم الأصلية. وقد تبنوا شعاراً لافتاً: «هنا حيث نعيش وطننا»، مؤكدين على مفهوم «الدوكايت» في الثقافة اليديشية المحلية، والذي يعني الاندماج والاستقرار النهائي في أوروبا الشرقية.
لماذا عارض البوند المشروع الصهيوني؟
عارض البونديون الصهيونية والدولة العرقية اليهودية منذ البداية، معتبرين أن إنشاء دولة يهودية منفصلة في فلسطين هو استسلام لمتعصبين أرادوا تفريغ أوروبا من اليهود. ورأوا أن الهجرة إلى أمريكا الشمالية بديل مقبول، بينما رفضوا رفضاً قاطعاً فكرة «الترانسفير» الإمبريالي وتهجير اليهود.
وقد ذهب البونديون إلى أبعد من ذلك، حيث حذروا مبكراً من الخطر الصهيوني على فلسطين وشعبها، قبل عقود طويلة من بدء العالم بالتفكير في وجود خلل في المشروع الصهيوني. وكانوا يعتبرون أن الصهيونية تتفق مع أعداء السامية على استحالة العيش المشترك، وضرورة إخلاء أوروبا من اليهود.
دور البوند في ثورات روسيا ومقاومة النازية
كان لحركة البوند دور محوري في ثورات روسيا أعوام 1905 و1917 و1918، حيث خاض أعضاؤها معارك التحرر على المتاريس لإسقاط القيصرية، بدلاً من التحالف مع الإمبريالية كما فعل الصهاينة. وقد ناصر البونديون حقوق العمال والحرية الثقافية، وكانوا مناضلين ديمقراطيين ومعلمين ونقابيين ومحيين للغة وثقافة اليديش.
وفي بولندا بين الحربين العالميتين، كانت الحركة اليهودية العلمانية الرائدة، وحظيت بدعم شعبي يتجاوز الصهاينة حتى في انتخابات عام 1938. وفي عام 1943، قاد البوند أطول انتفاضة مسلحة ضد الإبادة النازية: انتفاضة غيتو وارسو، حيث قاتل المقاتلون حتى الرمق الأخير رغم الجوع والعزلة والمصير المأساوي.
زئيف جابوتنسكي ونقيض مدرسة البوند
أسس زئيف جابوتنسكي، ابن أوديسا، المدرسة الصهيونية «التصحيحية»، كنقيض مطلق لمدرسة البوند. فبينما كان البونديون يناضلون من أجل التحرر والعدالة وإسقاط القيصرية بشعار «هنا وطننا»، احتقر جابوتنسكي هذا النهج واعتبره سذاجة انتحارية أمام كراهية متأصلة في أوروبا لا علاج لها بزعمه.
ولم يكن جابوتنسكي يرى ذبح اليهود مبرراً للمقاومة على متاريس أوروبا الشرقية، بل دافعاً لتهجيرهم والتحالف مع الإمبريالية لغزو فلسطين. فاستبدل باليديش العبرية العسكرية، وبالتضامن الثقافي الطبقي «الجدار الحديدي»، مؤمناً بالقوة الغاشمة لكسر إرادة أصحاب الأرض وإقامة «غيتو مسلح» في قلب المشرق.
مولي كرابآبل: استعادة التاريخ المنسي
في كتابها الصادر في أبريل 2026 بعنوان «هنا حيث نعيش وطننا: قصة البوند اليهودي»، تستكشف الفنانة التشكيلية والكاتبة اليهودية الأمريكية مولي كرابآبل التاريخ المنسي لحركة البوند. وقد أمضت ست سنوات في تعلم اللغة اليديشية وقراءة المخطوطات القديمة وزيارة المواقع التاريخية في أوروبا الشرقية.
ويقع الكتاب في أكثر من 400 صفحة توثق وتؤرخ لخمسين شخصية، بدءاً من جد والدة المؤلفة الفنان سام روثبورت، مروراً بالشاعرة والكاتبة الثورية البوندية صوفيا دوبنوفا، وصولاً إلى آنا لَيْبشيتز التي أشعلت حماسة المضربين في أوديسا بينما كانت البارجة بوتيمكين تدخل الميناء رافعة علم الثورة.
ماذا يعني صعود البوند اليوم؟
تأتي استعادة البوند من النسيان في وقت يشهد بثاً مباشراً للإبادة الجماعية في غزة، وتلاشى فيه أي شعور بالأحقية والمظلومية لدى يهود الشتات، ليحل العار إزاء ما يجري في غزة والضفة الغربية وتدمير لبنان. فمنذ أكتوبر 2023، تغيرت سردية يهود الشتات بشكل جذري.
تثبت تجربة البوند أن الصهيونية لم تحتكر تاريخ اليهود وتمثيلهم، إذ تقدم الحركة رسالة عالمية للتضامن والمقاومة. ويأتي هذا في وقت يتواصل فيه توحش الكيان الصهيوني في فلسطين وإطلاقه مشروع «إسرائيل الكبرى» لاجتياح المشرق العربي.
أسئلة راهنة حول البدائل التاريخية
هل يمكن أن تكون تجربة البوند نموذجاً للمستقبل؟
تقدم تجربة البوند إجابة واضحة: نعم، فمن خلال مفهوم «الدوكايت» الذي يعني «هنا حيث نعيش»، أثبت البونديون أن التعايش والاندماج ممكنان، وأن البديل عن المشروع الاستعماري الصهيوني كان موجوداً وكان عقلانياً وسلمياً، لكنه هُزم بفعل جرائم النازية والستالينية معاً.
ما أهمية توقيت صدور كتاب كرابآبل؟
إن توقيت صدور الكتاب يحمل رسالة واضحة لعصرنا الذي يشهد إبادة جماعية بثت مباشرة على الهواء. فاستعادة البوند من النسيان والسرد المؤثر وتوقيت الصدور عوامل تغير سردية يهود الشتات، وتقدم نموذجاً تاريخياً للتضامن والمقاومة بديلاً عن التحالف مع الإمبريالية.
في النهاية، تبقى قصة البوند اليهودي شاهداً على أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، وأن الشعوب قادرة دائماً على استعادة ذاكرتها وتصحيح مسارها، مهما طال الزمن وتعددت المحطات.