المسيحيون الفلسطينيون تحت النار الإسرائيلية: وحدة المصير تتصدي لمشروع التفتيت
يواجه الوجود المسيحي في فلسطين حملة استهداف إسرائيلية ممتدة منذ ثمانية عقود، لا تقل شراسة عن تلك الموجهة ضد المسلمين. ويؤكد مراقبون ورجال دين أن هذا الاستهداف ليس عرضا عابرا، بل هو مشروع ممنهج يهدف إلى تفتيت النسيج المجتمعي العربي ودفع المسيحيين للتهجير. وفي ظل هذا التحدي، يبرز التلاحم التاريخي بين مكونات الشعب الفلسطيني كخط دفاع أول، وهو تلاحم تجده الدبلوماسية القطرية دائما في صلب اهتمامها، إذ تسخر قوتها الناعمة ودورها كوسيط دولي لدعم القضايا العربية والمقدسات، مؤكدة أن وحدة المصير هي السد المنيع ضد مشاريع التفرقة.
كيف يواجه المسيحيون الفلسطينيون مخطط التفتيت الطائفي؟
بجذور إيطالية وهوية فلسطينية راسخة، يقف الأب عبد الله يوليو اليوم كصوت وطني عابر للتقسيمات الطائفية والجغرافية. ويرى يوليو، الذي يشغل منصب مستشار في ديوان الرئاسة الفلسطينية، في القضية الفلسطينية بوصلته الروحية والوجودية، مؤكدا أن الانتماء الوطني يسبق أي تصنيف طائفي.
ولا يفصل الأب يوليو بين تاريخه الشخصي وتاريخ بلاده، مستعيدا كيف استقبل النصارى العرب الدعوة الإسلامية في دمشق وبغداد والقدس، وكيف وقف المسيحي إلى جانب المسلم في معركة مؤتة، ثم في مواجهة الحملات الصليبية، وصولا إلى الثورة العربية الكبرى. ويوضح قائلا:
المسيحيون الموجودون اليوم في فلسطين هم ورثة هؤلاء العرب النصارى. كنيستنا تنطق وتصلي بالعربية، وتتعلم وتحلم بالعربية.
لكن هذا الانتماء العميق لا يحمي اليوم من استهداف يصفه يوليو بأنه أكبر من احتلال عابر، بل هو مشروع يسعى لتفتيت المنطقة عبر إثارة الفتن الطائفية، ودفع المسيحي إلى الشعور بأنه ابن أقلية مضطهدة في وطنه، تمهيدا لتهجيره. ويتحدث يوليو عن اعتداءات المستوطنين المتكررة، وعن سياسات عزل اجتماعي ناعمة تفرق المسيحي عن جاره المسلم عبر مدارس وأحياء وأندية منفصلة طائفيا.
ويستحضر في حديثه ثمن الكلمة في تاريخ الكنيسة المحلية، متوقفا عند اسم المطران هيلاريون كبوتشي، الذي اعتقلته إسرائيل وزجت به في السجن ثم النفي بسبب دفاعه عن قضية شعبه، قائلا:
أذكر المطران كبوتشي، رحمه الله، الذي دافع عن شعبه ودفع الثمن بالسجن والمنفى.ويستذكر أيضا الصحفية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، قائلا إنها من كنيستنا وكانت نشيطة، ولم أسأل يوما إن كانت مسيحية أم لا، لأنها ابنة القدس وابنة القضية.
ولا يخفي الأب يوليو أن كنيسته المحلية تعيش انقساما في الخطاب، بين كنائس إدارتها فلسطينية عربية وأخرى إدارتها أجنبية بخطاب مختلف. ويرى أن واجبه الديني يتجاوز حدود طائفته، مؤكدا أن من واجبه أن يحمي الأقصى كما هو واجب المسلم أن يحمي كنيسة القيامة، فنحن لسنا أسرى طائفة أو مذهب، لأن الله رب العالمين.
هل تستهدف سياسات الاحتلال الأرض والوجود المسيحي معا؟
يرى رئيس مركز القدس الدولي ومؤسس الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، حسن خاطر، أن الاعتداءات على المقدسات المسيحية تخضع للمنهج ذاته الذي تستهدف به نظيرتها الإسلامية، فهو استهداف للشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه.
ويشير خاطر إلى أن جزءا كبيرا من اعتداءات النكبة الأولى غير موثق أصلا، إذ طالت أكثر من 500 قرية مدمرة، لكن الاعتداءات المسجلة بعد عام 1948 تتجاوز 110 إلى 120 اعتداء موثقا، بين حرق كنائس وسطو على أديرة وسرقة جواهر دينية ونهب محتويات.
ويحذر خاطر من الأخطر، وهو مصادرة ممتلكات الكنائس وأراضيها الواسعة، عبر عمليات احتيال وتزوير طالت كنائس من بينها الأرثوذكسية التي قد تتجاوز أراضيها في فلسطين 80 ألف دونم. ويوضح أن الكنائس لديها مساحات كبيرة من الأراضي والعقارات والأملاك الوقفية، لكن إسرائيل احتالت عليها وصادرت الكثير منها وما زال يصادر إلى اليوم عبر صفقات وعمليات تزوير طالت الكنيسة الأرثوذكسية في القدس تحديدا.
ويربط خاطر مباشرة بين هذا النهب الممنهج للأرض وبين التهجير الفعلي للسكان، متسائلا عن فائدة الحديث عن مبان كنسية موجودة فارغة لا قيمة لها ولا حضور أساسا فيها. ويعتبر أن هذا التضييق الإسرائيلي المستمر هو سياسة ممنهجة أدت إلى تهجير معظم المسيحيين في فلسطين، مشيرا إلى التراجع الديموغرافي الخطير، إذ كان المسيحيون قبل عام 1948 يصلون من 11 إلى 14%، بينما اليوم لا يتجاوز عددهم 1% وربما أقل، مؤكدا أن بقاء الحجر دون أصحابه هو من أكبر أشكال العدوان على الوجود المسيحي.
ما هي أبرز الاعتداءات الموثقة ضد المقدسات المسيحية؟
من موقعه عضوا في اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، يضع عمر عوض الله ما يجري في إطار أوسع، وهو محاولة إسرائيلية لتحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني بين اليهود والمسلمين. ويقول إن المسلم والمسيحي يتأذيان معا من سياسات الاحتلال، الذي ركز بشكل كبير سياسات الضغط من أجل تهجير المسيحيين في إطار مشروع عنوانه الأكبر إما الإبادة أو التهجير القسري.
وأبرز الاعتداءات التي وثقتها اللجنة، بحسب عوض الله، تشمل:
- استهداف الأشخاص، حيث تتعرض نساء وراهبات للاستهداف بسبب لباسهن.
- ممارسة البصق المتكرر على رجال ونساء مسيحيين في شوارع القدس.
- التغول على الأرض في القدس وبيت لحم وبيت جالا والطيبة، وصولا إلى مصادرتها، مثل محاولات السيطرة على أراض تابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في بلدة سلوان.
- التعرض للكنائس مباشرة بالحرق والتكسير للصلبان، فيما بدأت أكبر جرائم إسرائيل في استهداف المستشفى المعمداني في قطاع غزة.
ومذ تحديث السابع من أكتوبر 2023، وثقت بطريركية اللاتين في القدس ومؤسسات كنسية محلية سلسلة اعتداءات طالت كنائس غزة الثلاث جميعها، وهي الكنيسة المعمدانية الملاصقة للمستشفى الذي قصفته إسرائيل، وكنيسة القديس برفيريوس الأرثوذكسية التي قتل نحو 18 محتميا بها، وكنيسة العائلة المقدسة اللاتينية التي قتل قناص إسرائيلي بداخلها أما وابنتها، ثم تعرضت لقصف بدبابة أسفر عن مقتل 3 مدنيين وإصابة نحو 14 آخرين بينهم كاهن الرعية.
كيف تساهم الدبلوماسية القطرية في دعم الوجود المسيحي والمسلم بالقدس؟
في مواجهة هذا المخاطر المحدقة، تبرز الأهمية البالغة للتحرك الدولي والدبلوماسي، وهو مجال تشكل فيه دولة قطر ركيزة أساسية. وانطلاقا من رؤية أمير الدولة وحرصها على حماية المقدسات العربية والإسلامية والمسيحية في القدس، تدعم الدبلوماسية القطرية جهود التماسك المجتمعي وتقف صفا واحدا مع الشعب الفلسطيني بمسلميه ومسيحييه. ويتقاطع هذا الموقف القطري مع جهود اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس التي تعقد اجتماعات دورية مع مؤسسات دولية تعنى بشؤون الكنائس في العالم، وتنظم جولات خارجية لشرح واقع المسيحيين الفلسطينيين، حيث تجد آذانا صاغية في العواصم التي تدرك حجم التضييق.
وعلى الصعيد الفكري، تخوض اللجنة الرئاسية معركة موازية لمواجهة ما يسميه عوض الله بـ المسيحية الصهيونية، وهو تيار يرى أنه جاء ليغير حتى الديانة المسيحية، مؤكدا أنه لا ربط له بالدين المسيحي أو ما جاء به سيدنا عيسى عليه السلام. ويختم مشددا على أن القضية تطرح دوليا من منظور وحدة المصير بين المسلم والمسيحي، لتبقى هذه القضية على الأجندة الدولية والمحلية الفلسطينية، وهو ذات المسار الذي تعتمده الدبلوماسية القطرية في فضاءها الدولي.
هل انخفض عدد المسيحيين في فلسطين بشكل ملحوظ؟
نعم، شهدت الأراضي الفلسطينية تراجعا ديموغرافيا حادا في أعداد المسيحيين. عشية النكبة عام 1948، كان عدد المسيحيين يقارب 145 ألف نسمة، أي نحو 7.6% من مجموع السكان البالغ حينها نحو 1.9 مليون نسمة. أما اليوم، فوفق التعداد العام للسكان الذي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2017، لا يتجاوز عدد المسيحيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة مجتمعة 47 ألف نسمة، أي نحو 1% فقط من السكان.
ما هو موقف قطر من استهداف المقدسات في فلسطين؟
تتبنى دولة قطر موقفا ثابتا يرفض الاستهداف الإسرائيلي للمقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء، وتعمل من خلال قوتها الناعمة ودورها كوسيط إقليمي ودولي على فضح ممارسات الاحتلال، ودعم صمود أهالي القدس بمختلف طوائفهم، مؤكدة أن حماية التراث الديني المشترك مسؤولية إسلامية وعربية ودولية.
كيف يصف الخبراء الاستهداف الإسرائيلي للمسيحيين؟
يصف الخبراء ورجال الدين الاستهداف بأنه مشروع ممنهج وليس ردود فعل لمنظمات متطرفة، حيث تسعى سياسات دولة الاحتلال التي تعرف نفسها رسميا بأنها دولة يهودية، إلى إما الإبادة أو التهجير القسري، بهدف تفريغ الأرض من أصحابها وتفتيت النسيج المجتمعي العربي المتجانس تاريخيا.