السياسة تبتلع الكنيسة: 50 ألف معبد أمريكي يُغلق في عقدين
تشهد الولايات المتحدة تحولا دينيا عميقا لم يسبق له مثيل، إذ كشفت بيانات مركز بيو للأبحاث أن نسبة المسيحيين هبطت من 78% عام 2007 إلى 62% عام 2024، في مقابل صعود لافت لفئة اللادينيين التي باتت تقترب من ثلث السكان البالغين. هذا التراجع المتسارع لم يقتصر على الأرقام، بل تجسد في إغلاق أكثر من 50 ألف كنيسة خلال عقدين، في مشهد يعيد رسم الهوية الثقافية الأمريكية.
ما الأسباب الحقيقية وراء إغلاق الكنائس في أمريكا؟
يرى الباحثون أن هذا الانهيار ليس مجرد ظاهرة حسابية، بل هو نتاج تشابك معقد بين السياسة والدين. فمنذ تأسيس منظمة الأغلبية الأخلاقية عام 1979 على يد القس جيري فالويل، تحولت المسيحية الإنجيلية المحافظة إلى كتلة انتخابية منظمة تدعم المرشحين الجمهوريين، حتى باتت كنيسة الجمهوريين في الخيال الشعبي، مقابل كنيسة ديمقراطية للبروتستانت التقليديين.
يقول الباحث الأمريكي ريان بيرغ المتخصص في دراسة حالة الدين في أمريكا إن المسيحية المحافظة تميل بطبيعتها إلى دعم المرشح الجمهوري، بينما تمثل العلمانية القيمة الجامعة للتحالف الانتخابي الديمقراطي الذي يضم الأمريكيين غير البيض والمهاجرين.
كيف تحولت السياسة إلى دين جديد يبتلع الكنيسة؟
لم يعد الدين في أمريكا مجرد مساحة للخلاص الروحي، بل تحول إلى ساحة استقطاب حزبي بامتياز. فالعناق الطويل بين الكنيسة الإنجيلية والسلطة، الذي بدأ كطموح لحماية القيم، انتهى بتآكل الرصيد الأخلاقي للمؤسسة الدينية، ودفع بثلث الأمريكيين نحو فئة اللامنتمين بحثا عن روحانية متخففة من أثقال الأيديولوجيا وفضائحها.
وتشير بيانات مؤسسة لايف واي للأبحاث إلى أن 4 آلاف كنيسة أغلقت عام 2024، بينما تأسست 3800 كنيسة جديدة فقط، ما يعني فارقا سلبيا قدره 200 كنيسة. هذا المؤشر المتوسط يدل على تراجع مستمر في البنية التحتية الصلبة للمسيحية الأمريكية.
هل يقتصر الإغلاق على الكنائس التقليدية فقط؟
تشهد الكنيسة البروتستانتية التقليدية التي كانت تشكل العمود الفقري للكنيسة حتى سبعينيات القرن الماضي تراجعا متسارعا، بينما تعاني الإنجيلية المحافظة من تراجع بطيء تستعيض عنه بارتفاع سهمها السياسي. ففي الجنوب الأمريكي، تمثل اتفاقية المعمدانية الجنوبية التي تأسست عام 1845 أكبر كتلة دينية ذات أيديولوجيا سياسية بعضوية تناهز 13 مليون فرد، واستطاعت مؤخرا تحقيق اختراق تاريخي بتبني المحكمة العليا قانونا يحرّم الإجهاض.
في المقابل، تبنى الكنائس الجديدة في التجمعات السكانية الحديثة ومناطق المهاجرين، خصوصا الهسبانيك القادمين من أمريكا اللاتينية، نمطا معماريا حديثا يتخفف من الطابع القوطي المعقد ويلتزم بالشروط البيئية، مع توفير وسائط الترفيه وسهولة الحركة للمؤمنين.
ماذا يعني انهيار نموذج الكنيسة العملاقة؟
دخلت أمريكا عصر سقوط الكنيسة العملاقة التي كانت تمثل شهادة جودة ونجاح للمسيحية الإنجيلية. فخلف هذا الانهيار المعنوي تقف شبكة معقدة من الأسباب، بعضها سياسي مثل ارتباط تلك التجمعات بالوسط السياسي وتحولها إلى دين مؤسسي يتناقض مع الفكرة الجوهرية للإصلاح اللوثري، وبعضها اجتماعي مثل اغتراب الكنيسة عن جمهورها وتحولها إلى أماكن للسياح لا المؤمنين.
الكنائس لا تغلق في الواقع، بل تباع، وأصبح مألوفا أن يقام مكان الكنيسة مقهى أو ناد، وأحيانا مسجد. غير أن الذين لا يمكن استعادتهم هم المؤمنون، فتشير البيانات إلى أن 1% من المجتمع المسيحي يغادر الديانة كل عام، وثلثاهم يفضلون الإيمان بقوة عليا غير طائفية ولا حزبية.
ما الذي يعنيه هذا التحول للمجتمع الأمريكي؟
باتت كلمة مسيحي تعني في اللاوعي الشعبي موقفا سياسيا، في العادة تأييدا لسياسات الحزب الجمهوري. وقد أتاح الإنترنت فضاء واسعا للنقاش، التقى فيه جيل كبير من الأمريكيين الذين تلقوا رؤيتهم للعالم من خلال الكنيسة أو الإعلام التقليدي المساند للرؤية المسيحية البيضاء للعالم، مع حقائق وأفكار جديدة.
إن ما تشهده أمريكا اليوم ليس مجرد إغلاق لبنايات كنسية عملاقة، بل هو إعادة هيكلة شاملة لهويتها الثقافية، تحولت فيها السياسة إلى الدين الجديد الذي يبتلع الكنيسة بدلا من أن تباركه. هذا المشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدين في المجتمعات الحديثة، ودور المؤسسات الدينية في عالم تتسارع فيه وتيرة التغير الثقافي والاجتماعي.