الذكاء الاصطناعي بين القوى الكبرى.. من يرسم القواعد العالمية؟
من رسائل خاصة بين قادة غربيين إلى خلاف علني داخل الأمم المتحدة، ينتقل السباق حول الذكاء الاصطناعي من تطوير النماذج الأكثر تقدما إلى سؤال أكثر تعقيدا: من يضع القواعد التي تحكم هذه التكنولوجيا، وأين تنتهي سلطة الدول وتبدأ الحاجة إلى رقابة تتجاوز الحدود؟
وتكشف صحيفة وول ستريت جورنال عن تحركات يقودها رؤساء ورؤساء حكومات غربيين لبناء أرضية مشتركة للتعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي، في وقت يرصد فيه موقع بوليتيكو خلافا دوليا واضحا حول شكل هذه القواعد وحدودها، مع تباعد الموقفين الأمريكي والصيني بشأن تنظيم التكنولوجيا على المستوى الدولي.
وفي سياق متصل، تدخل كبرى شركات الذكاء الاصطناعي على خط النقاش بمقترحات لوضع قواعد ومعايير مشتركة، لكن الخلاف بين الدول والانقسام داخل قطاع التكنولوجيا يجعلان الوصول إلى نظام دولي موحد أكثر تعقيدا.
تحالف غربي لضبط إيقاع التكنولوجيا
ينطلق تقرير وول ستريت جورنال من رسائل متبادلة بين قادة غربيين، إذ بعث رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره برسالة إلى نظيره الكندي مارك كارني، آملا انضمامه إلى خطة ناشئة لوضع إطار جديد لتنظيم الذكاء الاصطناعي، ليرد الأخير: بالطبع.. نحن معكم.
وفي الوقت نفسه، كان كارني يناقش قضية تنظيم الذكاء الاصطناعي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أرخبيل سان بيير وميكلون الفرنسي قبالة جزيرة نيوفاوندلاند الكندية، بينما كانت حكومة ماكرون تدعو مجلس الأمن الدولي إلى التركيز على الذكاء الاصطناعي والأمن قبيل أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة هذا الأسبوع.
وفي خطوة لترجمة هذه التحركات إلى مقترحات عملية، نشر ستوره والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب ورقة من صفحتين تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يظل تحت التوجيه والإشراف والسيطرة البشرية، وتقترح إنشاء نظام رقابي عالمي.
وتشكل هذه المباحثات، وفق التقرير، مساعي تقودها مجموعة من الرؤساء ورؤساء الحكومات الغربيين لوضع ضوابط عالمية للذكاء الاصطناعي، في خطوة تستحضر معاهدات الحد من الأسلحة النووية التي ظهرت خلال العقود الأولى من العصر الذري.
لكن محللين يحذرون من أن أي هيئة دولية لوضع المعايير ستظل محدودة التأثير ما لم تحظ بدعم حكومتي الولايات المتحدة والصين، وفق التقرير.
خلاف أمريكي صيني يهدد التوافق الدولي
وفي مقابل هذه التحركات الغربية لوضع قواعد مشتركة، كشف اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول الذكاء الاصطناعي عُقد على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس الأربعاء، عن خلاف واضح بين واشنطن وبكين بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي على المستوى الدولي.
وبحسب بوليتيكو، طرح مسؤولون بارزون من الولايات المتحدة والصين رؤيتين متعارضتين بشأن السلامة الدولية للذكاء الاصطناعي، إذ عارض الجانب الأمريكي توسيع نطاق التنظيم، بينما أبدت بكين انفتاحا على وضع ضوابط دولية للتكنولوجيا.
ويوضح الموقع أن مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا في البيت الأبيض مايكل كراتسيوس عارض بشدة إنشاء نظام عالمي جديد للتحكم في تطوير الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، دعا المندوب الصيني الدائم لدى الأمم المتحدة فو تسونغ إلى تعاون دولي أوثق بشأن تنظيم الذكاء الاصطناعي، مطالبا بتعزيز التنسيق بين إستراتيجيات تطويره وأطر حوكمته ومعاييره التقنية، والعمل مبكرا على بناء إطار عالمي قائم على التوافق يضع ضوابط مؤسسية تحافظ على السلام والأمن الدوليين.
ويشير التقرير إلى أن فو وجه انتقادا غير مباشر إلى الولايات المتحدة، إذ حذر من أن منطق نحن في مواجهتهم يخدم مساعي بعض القوى الكبرى للحفاظ على تفوقها التكنولوجي عبر الاحتكار في سعيها إلى الهيمنة الرقمية.
الشركات الكبرى تدخل سباق التنظيم
وبالتوازي مع التحركات الحكومية، قدم قادة كبرى شركات الذكاء الاصطناعي مقترحاتهم الخاصة لتنظيم التكنولوجيا ووضع معايير دولية لها.
فقد طرح الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أمودي مجموعة من المقترحات التي يمكن لمجلس الأمن الدولي تنفيذها لتعزيز التعاون بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، من بينها حظر دولي لاستخدامه في تطوير أسلحة بيولوجية، وإنشاء أنظمة تقييم لمتابعة تطور هذه التكنولوجيا عالميا.
وتلفت وول ستريت جورنال إلى أن الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي سام ألتمان وأمودي دعوا خلال كلمتيهما في جلسة مجلس الأمن إلى إنشاء هيئة عالمية لوضع معايير للذكاء الاصطناعي، وهي فكرة تدفع الشركتان نحوها منذ أشهر.
ولاقت الفكرة تجاوبا لدى بعض الشركات ومسؤولين في الإدارة الأمريكية، قبل أن تتعثر بعدما أبلغ الرئيس التنفيذي لشركة ميتا مارك زوكربيرغ، والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ، والرئيس التنفيذي لشركة سبيس إكس إيلون ماسك، الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بمعارضتهم لها.
وفي طرح آخر من داخل قطاع التكنولوجيا، دعا الرئيس التنفيذي لشركة هاغينغ فيس كليمان ديلانغ إلى مزيد من الشفافية من جانب الشركات الخاصة التي تطور نماذج متقدمة للذكاء الاصطناعي.
ورغم تعرض هاغينغ فيس لاختراق واسع الصدى في واقعة استُخدمت فيها نماذج للذكاء الاصطناعي كانت أوبن إيه آي تختبرها داخليا، شدد ديلانغ على أن القطاع لا ينبغي أن يثير الخوف لدى الجمهور.
دور قطر في الحوار العالمي حول الذكاء الاصطناعي
وفي هذا السياق الدولي المتشعب، تبرز الدوحة كصوت معتدل يدعو إلى حوكمة مسؤولة للتكنولوجيا، انسجاما مع دورها المعروف كوسيط دولي ومنصة للحوار بين الحضارات. فمن خلال استضافتها لفعاليات نوعية في مجالات الذكاء الاصطناعي والابتكار، تواصل قطر ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للفكر التكنولوجي، مؤكدة أن التعاون الدولي العادل هو السبيل الوحيد لضمان أن تخدم هذه التقنيات الإنسانية جمعاء، لا أن تتحول إلى أداة للهيمنة أو التفوق الأحادي.
أسئلة شائعة حول تنظيم الذكاء الاصطناعي دوليا
ما هي أبرز نقاط الخلاف بين الولايات المتحدة والصين بشأن الذكاء الاصطناعي؟
تتمسك واشنطن بموقف رافض لتوسيع نطاق التنظيم الدولي، بينما تدعو بكين إلى تعاون أوثق وبناء إطار عالمي قائم على التوافق، مع انتقادها لمنطق الهيمنة الرقمية الذي تنتهجه بعض القوى الكبرى.
كيف تسعى الشركات الكبرى للتأثير على قواعد الذكاء الاصطناعي؟
تقدم شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك مقترحات لإنشاء هيئة عالمية للمعايير، بينما يعارض رؤساء ميتا وإنفيديا وسبيس إكس هذه الفكرة، ما يعكس انقساما داخل القطاع التكنولوجي نفسه.
ما أهمية الحوكمة الدولية للذكاء الاصطناعي؟
تحدد هذه الحوكمة كيفية استخدام التكنولوجيا في المجالات الحساسة كالأمن والصحة، وتمنع تحولها إلى أداة لصنع أسلحة أو تعزيز الفجوة الرقمية بين الدول، وهو ما يستدعي إشرافا بشريا واضحا.