كشف تقرير أمريكي حديث أن أنظمة الذكاء الاصطناعي باتت تعيد تشكيل منظومة صناعة الأخبار من جذورها، بعدما انتقلت مهمة تحديد ما يستحق النشر من المحررين إلى المستخدمين أنفسهم. واعتمد التقرير، الذي صدر عن مركز تاو-نايت لمستقبل الصحافة التابع لكلية كريغ نيومارك للدراسات العليا في الصحافة بجامعة مدينة نيويورك، على إعداد الباحثتين جينا تشوا وأديل كابلان، واستعرضت نتائجه الصحفية لورا هازارد أوين في موقع نيمان لاب.
وتناول تقرير سابق صحيفة الرأي مشاريع ذكاء اصطناعي تتجاوز مجرد تجميع الأخبار إلى محاكاة دورة الإنتاج الصحفي كاملة، وهو ما يجعل التحليل الجديد امتدادا لتحول هيكلي عميق وليس موجة عابرة.
نموذج الطبقات الثلاث
يرسم التقرير تصورا لمستقبل المعلومات يقوم على ثلاث طبقات مترابطة تزيح المؤسسة الإعلامية عن مركزها التقليدي. تتعرف الطبقة الأولى على احتياجات الجمهور من خلال أسئلة المستخدمين واهتماماتهم وسلوكهم الرقمي، فيما تجمع الطبقة الثانية، وهي أنظمة الذكاء الاصطناعي، المعلومات من مصادر مختلفة وتقدم إجابات مخصصة لكل مستخدم، بينما تضم الطبقة الثالثة المؤسسات المنتجة للمعلومات الأصلية، وفي مقدمتها غرف الأخبار والجهات البحثية.
وتشير الباحثتان إلى أن المؤسسات الصحفية اعتادت السيطرة على هذه الوظائف مجتمعة، لكنها قد تتحول في المستقبل إلى مجرد طرف ينتج المعلومات ضمن منظومة تتحكم فيها جهات أخرى بكيفية تقديمها للجمهور. وتكمن القوة الجديدة، وفق التقرير، في امتلاك العلاقة المباشرة بالمستخدم وفي التحكم في الأنظمة التي تختار المصادر وتعيد تركيب المعلومات، وهو ما يضع شركات التكنولوجيا في موقع الوصاية على وصول الجمهور إلى المعرفة.
فرص للمجتمعات التي أهملتها الصحافة التقليدية
لا يقتصر التقرير على التحذير، بل يرصد فرصا لفئات لم تكن الصحافة التقليدية قادرة على تلبية احتياجاتها. ويضرب مثالا بولي أمر يسمع عن خفض ميزانية مدرسة طفله ويريد معرفة ما إذا كانت حصص الفنون ستستمر، وهي مسألة قد لا تستحق تكليف صحفي بإعداد تقرير مستقل لأنها تهم عددا محدودا من الأسر.
ويمكن لنظام ذكاء اصطناعي مصمم بصورة جيدة أن يجمع المعلومات المتاحة من التغطيات والوثائق ويقدم إجابة تراعي ما هو معروف وما لا يزال غير مؤكد، ويمتد ذلك إلى المجتمعات التي لم تحظ قضاياها باهتمام كاف من وسائل الإعلام الكبرى، بشرط إتاحة الوصول إلى معلومات موثوقة ومتنوعة تعكس احتياجات المجتمعات المهمشة.
التحقيقات الاستقصائية تفقد عائدها الاقتصادي
من أبرز ما يناقشه التقرير أن الأخبار الحصرية والتحقيقات الاستقصائية، رغم قيمتها المهنية والاجتماعية، قد لا توفر وحدها حلا للأزمة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية. فبمجرد نشر التحقيق، تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي تلخيص نتائجه وإعادة تقديمها للجمهور دون الرجوع إلى المادة الأصلية.
ويستشهد التقرير بملاحظة للخبير الإعلامي فرانشيسكو ماركوني مفادها أن تحقيقا يستغرق إنتاجه أشهرا ويكلف نحو 200 ألف دولار قد تتراجع قيمته الاقتصادية المباشرة إلى ما يقارب الصفر خلال دقائق من نشره. ولا يعني ذلك انتفاء قيمة التحقيقات، فهي لا تزال تكشف معلومات جديدة وتدعم سمعة المؤسسة وتؤدي وظيفة رقابية مهمة، لكن قدرتها على تحقيق عائد طويل الأمد قد تتضاءل عندما يصبح محتواها قابلا لإعادة التلخيص والتوزيع بسهولة.
التخصص بديلا عن الأخبار المتشابهة
يحذر التقرير من أن الأخبار المتاحة لدى مصادر متعددة ستفقد جانبا متزايدا من قيمتها التجارية، لكنه لا يدعو إلى التخلي عن التغطيات اليومية، ومنها متابعة المجالس المحلية والمؤسسات الحكومية، بل إلى تطويرها بحيث تقدم ما لا يمكن استخراجه بسهولة من محاضر الاجتماعات أو البيانات الرسمية، عبر الأسئلة الأصلية أو إضافة سياقات جديدة أو التحقيق في تداعيات القرارات على فئات محددة.
ويرى التقرير أن المؤسسات الأكثر تخصصا وعمقا ستكون أقل عرضة لتكرار محتواها وأكثر قدرة على بناء علاقات وثيقة مع المجتمعات التي تحتاج إلى معلوماتها، كما يمنحها التخصص قوة أكبر في تسعير منتجاتها مقارنة بالمؤسسات التي تكتفي بإنتاج أخبار متشابهة متاحة للجميع.
الانسحاب من الذكاء الاصطناعي بين الحماية والمخاطرة
يناقش التقرير خيار منع شركات الذكاء الاصطناعي من استخدام المحتوى الصحفي باعتباره استراتيجية قد تساعد بعض الناشرين على المحافظة على علاقتهم المباشرة بالجمهور، لكن الباحثتين تحذران من أن الانسحاب الجماعي قد يضعف البيئة المعلوماتية العامة إذا أصبحت الأنظمة الذكية تعتمد على مصادر أخرى لا تلتزم بالضرورة بخدمة المصلحة العامة.
ويدعو التقرير إلى تطوير معايير تقنية تسمح بانتقال معلومات المصدر والسياق والتوثيق مع كل معلومة تستخدمها الأنظمة الذكية، بدلا من فقدان هذه العناصر أثناء التلخيص وإعادة الصياغة، بما يعزز إمكانية التحقق من الإجابات ويسهل تحديد المؤسسات المنتجة للمعلومات وتعويضها عن استخدامها.
تداعيات على المشهد الإعلامي العربي
يكتسب هذا التحول أهمية خاصة للمنطقة العربية التي باتت مؤسساتها الإعلامية، وفي مقدمتها الفضائيات والمنصات الرقمية الخليجية، جزءا من النسيج المعرفي للمجتمعات، في وقت تزداد فيه مخاطر المعلومات المختلقة. فقد حذرت إرم نيوز من قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على إنتاج مواد مزيفة وصور ومقاطع فيديو دخيلة على الواقع، فيما لفت خبير في الحرب المعلوماتية، وفق ما نقل اليوم السابع، إلى أن تزامن نشر منشورات متقاربة المضمون عبر حسابات متعددة قد يشير إلى تنسيق في نشر الرسائل.
ويطرح التقرير سؤالا يخص أيضا تخصيص الأخبار لكل مستخدم على حدة، إذ قد يؤدي ذلك إلى إضعاف المعرفة المشتركة بين أفراد المجتمع إذا بات كل شخص يتلقى رواية مختلفة للأحداث، وهي معضلة تستدعي من المؤسسات الإعلامية العربية الاستثمار في التحقق والتوثيق بوصفهما رافعة ثقة قبل أن تكونا تكلفة إضافية.
أسئلة شائعة
ما هو تقرير كعكة الطبقات الثلاث؟
هو تقرير أعده الباحثتان جينا تشوا وأديل كابلان وصدر عن مركز تاو-نايت لمستقبل الصحافة بجامعة مدينة نيويورك، ويصف مستقبل الأخبار عبر ثلاث طبقات: فهم احتياجات الجمهور، وأنظمة الذكاء الاصطناعي الوسيطة، والمؤسسات المنتجة للمعلومات الأصلية.
لماذا تفقد الأخبار الحصرية قيمتها الاقتصادية؟
لأن أنظمة الذكاء الاصطناعي تستطيع تلخيص التحقيقات وإعادة تقديمها للجمهور خلال دقائق من نشرها، وفق ما نقل التقرير عن الخبير فرانشيسكو ماركوني، ما يتراجع معه العائد الاقتصادي المباشر للمؤسسة المنتجة.
ما الحل الذي يقترحه التقرير للمؤسسات الإعلامية؟
الانتقال من التركيز الحصري على إنتاج المواد الصحفية إلى فهم احتياجات الجمهور، وإنتاج معرفة أصلية ومتخصصة، والمشاركة في تطوير معايير تقنية تضمن موثوقية المعلومات وتعويض المنتجين عن استخدام محتواهم.
