فضيحة إبستين تكشف انهيار التفوق الأخلاقي الغربي
لطالما ادعى الغرب حراسة القيم الحديثة والحداثة بأنوارها، متمثلة في سيادة القانون وحقوق الإنسان وكرامة الفرد وحماية المرأة والطفولة، إلى الحد الذي احتكر فيه أخلاق العناية، مقابل تبعية باقي العالم الذي لم يصل بعد ليكون فاعلا حضاريا مستقلا.
كشف الأقنعة الزائفة
غير أن العقود الأخيرة، ومعها انفجار ملفات شديدة الحساسية على رأسها ملفات إبستين وديدي وصيد البشر وغوانتانامو، كشفت فجوة عميقة بين الخطاب القيمي والممارسة الواقعية، بل أسقطت كل أقنعة التنكر والزيف التي ما فتئ الغرب يجددها باستمرار.
كانت ولا تزال تجليا صارخا من تجليات الرأسمالية الاحتكارية التي تأسست على النهب والاستغلال والابتزاز في فصل مطلق عن الأخلاق.
شبكة النفوذ والابتزاز
إن قضية إبستين ليست حادثا معزولا، بل مرآة عاكسة لبنية سلطوية اقتصادية أتاحت الإفلات من العقاب وشرعنت انتهاك القانون حين يمس النخب. فهي تتجاوز الأبعاد الجنائية المتعلقة بالاتجار بالبشر واستغلال الأطفال لتكشف عن شبكة معقدة من النفوذ السياسي العابر للحدود.
أظهرت الوثائق المفرج عنها مؤخرا أن إبستين لم يكن مجرد رجل أعمال فاسد، بل كان عميلا لعب دور الوسيط الخفي في ملفات جيوسياسية حساسة بأمريكا وبريطانيا وأوروبا والشرق الأوسط والعالم العربي.
استهداف المنطقة العربية
تكشف المراسلات كيف كان يسعى لاستغلال المناطق المعروفة بمناطق التوتر لاستغلالها ماديا وتجاريا وسياسيا تارة بدعوى السلام وتارة أخرى بدعوى إعادة الإعمار، خاصة في الخليج والشرق الأوسط والملف السوري والليبي.
وفي كل ذلك، كانت علاقته وطيدة بالاستخبارات الإسرائيلية، مما يكشف عن مخطط ممنهج لاستهداف نخب المنطقة السياسية والاقتصادية وجعلها رهينة ابتزاز هذه الشبكة المعقدة.
تآكل التفوق الأخلاقي الغربي
ينكشف تآكل التفوق الأخلاقي والحضاري للغرب من خلال ثلاثة مستويات أساسية:
أولا: في ارتباط بالزمن، فالعطب مزمن ومستدام وليس عابرا، ما دامت الشبكة قد تأسست منذ الثمانينيات، بشكل يجعل العطب الأخلاقي والحضاري الغربي بنيويا وليس مجرد فضيحة أخلاقية فردية عابرة.
ثانيا: التواطؤ السياسي المؤسساتي من خلال تسويات قضائية وحماية غير مباشرة لشبكات النفوذ وتأخير العدالة لسنوات.
ثالثا: تحويل القاصرين إلى سلع داخل شبكات استغلال، بما يناقض جوهر الخطاب الليبرالي حول الكرامة.
ازدواجية المعايير
إننا أمام حالة كاشفة تظهر كيف تتحول الحرية الفردية إلى غطاء لانتهاكات ممنهجة، حين تتشابك الشهرة بالثروة والنفوذ، وهو ما يترجم منطق الاستغلال الثاوي في أعماق الرأسمالية الاحتكارية.
فبينما يصدر الغرب خطابا ترافعيا عن حقوق المرأة لباقي العالم، يعتبرها في واقعه العملي مجرد سلعة وأداة للفرجة والمتعة، وهو تناقض يعيد طرح سؤال المعيارية الأخلاقية.
السجل الطويل للانتهاكات
تتجاوب قضية جيفري إبستين وتتماشى منهجيا مع سجل طويل من الانتهاكات الممنهجة، منها الحروب غير الشرعية وانتهاك القانون الدولي.
ولنا في تجربة غزو العراق المريرة سنة 2003 خير مثال، فبدون تفويض أممي وبناء على ذرائع ثبت بطلانها، صار العراق مجرد فصائل وعشائر وتوترات أهلية بعد أن كان واحدا من أقوى الدول العربية.
ناهيك عن التدخلات العسكرية بالوكالة التي أنتجت فوضى ممتدة في ليبيا والسودان والصومال واليمن، مع إفلات شبه كامل من المحاسبة.
نحو نهاية النموذج الغربي
في الحقيقة، ليست ملفات إبستين وديدي وغوانتانامو وغزو العراق وصيد البشر سوى حلقات صغيرة في سلسلة طويلة كشفت أزمة أخلاقية عميقة في بنية الحداثة الغربية المعاصرة.
ولذلك، فاستمرار فضح وكشف الزيف والأقنعة يعني أننا سنكون أمام بداية نهاية نموذج تأسس على الدماء باسم الحداثة والحضارة.
ولعلنا نجد في تعليق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ملفات إبستين ما يؤكد بشاعة هذا النموذج: "النخب الغربية اعتادت على مدى قرون أن تملأ بطونها بلحم البشر وجيوبها بالمال. لكن عليها أن تفهم أن حفل مصاصي الدماء هذا يقترب من نهايته".