مجلس سلام غزة: محاولة لاختزال القضية الفلسطينية في ملف إنساني؟
في ظل التطورات الجارية حول ما يُعرف بـ"مجلس سلام غزة"، تتزايد التساؤلات حول طبيعة هذه المبادرة وأهدافها الحقيقية، وما إذا كانت تمثل بداية جدية لإعادة الإعمار أم محاولة لفرض وصاية دولية على القطاع.
وقد ناقش محللون وسياسيون فلسطينيون وعرب هذه المبادرة، مؤكدين أن مستقبل غزة لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع للقضية الفلسطينية، محذرين من محاولات حصر القضية في أبعاد إنسانية واقتصادية على حساب إنهاء الاحتلال وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
نشأة المجلس وأهدافه المعلنة
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تأسيس "مجلس السلام" في 15 يناير الجاري، ضمن خطته المكونة من 20 بنداً لوقف إطلاق النار في قطاع غزة. وفي 22 يناير، أطلق ترمب رسمياً هذا المجلس بتوقيع ميثاقه خلال منتدى دافوس بحضور عدد من قادة العالم الذين وافقوا على الانضمام إلى هذه المبادرة.
وتركز المبادرة بحسب ما أُعلن على إعادة إعمار غزة، لكن المراقبين يطرحون تساؤلات جدية حول الأهداف الحقيقية وراء هذا المشروع.
تحذيرات من اختزال القضية
قال الدكتور سامي العريان، مدير مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية، إن النقاش الدولي شهد تحولاً مع الانتقال من شبه إجماع على حل سياسي شامل، إلى مقاربات تركز على إعادة الإعمار فقط.
واعتبر العريان أن ما يُطرح اليوم "ليس مشروع سلام"، بل محاولة لتحقيق مكاسب سياسية عجز الاحتلال عن فرضها عسكرياً، محذراً من أن تحويل غزة إلى ملف إنساني منفصل عن سياق التحرر الوطني "يعد انحرافاً خطيراً في طبيعة الصراع".
انهيار النظام الدولي
من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني معين نعيم أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بمجلس السلام وحده، بل بانهيار النظام الدولي وعجز مؤسساته عن فرض القانون الدولي.
وأشار إلى أن محكمة العدل الدولية نفسها "تتعرض للعقاب" عندما تحاول محاسبة إسرائيل، مضيفاً أن مجلس السلام بُني بما يخدم مصالح إسرائيل ومشاريعها المستقبلية.
مخاوف فلسطينية من التفكيك
حذر الناطق باسم حركة فتح جمال نزال من أن النماذج الإدارية المطروحة لغزة تمثل تصوراً إسرائيلياً أوسع، لا يقتصر على القطاع وحده، مؤكداً أن تجاوز السلطة الوطنية الفلسطينية سيقود إلى تفكيك وحدة الأرض الفلسطينية.
وشدد على أن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل الإطار الشرعي للوجود السياسي الفلسطيني، وأن أي محاولة لخلق بدائل أو كيانات مؤقتة "لن تصمد أمام الواقع والتاريخ".
مصالح اقتصادية أمريكية
اعتبر أسامة أبو أرشيد، المدير التنفيذي لمنظمة "أمريكيون من أجل العدالة في فلسطين"، أن مجلس السلام "مختزل بالكامل في الولايات المتحدة"، مشيراً إلى تنسيق مباشر بين واشنطن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وحذر من تداخل السياسة مع المصالح الاقتصادية، موضحاً أن شركات مرتبطة بدوائر أمريكية نافذة قد تستفيد من مشاريع إعادة الإعمار، ما يحول غزة إلى "أرض اختبار دولية".
الدور العربي المطلوب
شدد السفير المصري السابق لدى إسرائيل حازم خيرت على أن المجلس يعاني مشكلة سياسية، مضيفاً أن غياب التمثيل الفلسطيني الحقيقي يضع مسؤولية إضافية على الدور العربي.
ولفت إلى أن أي انخراط عربي في هذه المسارات يجب أن يكون مشروطاً بمنع فرض حلول تنتقص من الحقوق الفلسطينية، وبالبحث عن مسارات توقف الانتهاكات الإسرائيلية وتحمي المدنيين الفلسطينيين.
أولويات غزة الحقيقية
من غزة، أكد الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن كل الطروحات الاقتصادية التي تقدم بوصفها حلولاً ستفشل، كما فشلت سابقاتها، لأن جوهر الأزمة سياسي مرتبط باستمرار الاحتلال.
وشدد على أن الأولوية لدى الفلسطينيين اليوم ليست للمجالس أو الهياكل الإدارية، بل لضمان انسحاب الجيش الإسرائيلي، وتدفق المساعدات، ومنع عودة الحرب.
إن القضية الفلسطينية تتطلب حلولاً سياسية شاملة تضمن حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وليس مجرد مبادرات إنسانية تخدم أجندات أخرى.