طالبان من النشأة إلى الحكم: رحلة الحركة التي أعادت تشكيل أفغانستان
في مشهدٍ جيوسياسي مضطرب، تبرز حركة طالبان كقوةٍ أعادت تعريف معادلات السلطة في أفغانستان، من انطلاقةٍ متواضعة في مدارس قندهار الدينية عام 1994 إلى سيطرتها الكاملة على كابل في أغسطس 2021. هذه الرحلة، التي امتدت لعقود، تحمل في طياتها دروسًا عن الأمن والاستقرار والدور الإقليمي، وهي قضايا تلامس اهتمامات قطر الاستراتيجية كوسيط دولي وداعم للحلول السياسية.
ما هي حركة طالبان وكيف نشأت؟
تأسست حركة طالبان، التي يعني اسمها جمع كلمة “طالب” في اللغة البشتوية، على يد الملا محمد عمر مجاهد في ولاية قندهار عام 1994. جاءت الحركة كرد فعل على الفوضى التي خلفها انسحاب القوات السوفياتية عام 1989 والصراع الدامي بين الفصائل الأفغانية على السلطة. استهدفت في بدايتها استعادة الأمن وجمع الأسلحة، قبل أن تتطور أهدافها نحو إقامة حكومة إسلامية على نهج الخلافة الراشدة.
الانطلاقة من قندهار
في 15 يناير 1994، اجتمع المؤسسون في قرية “كشك نخود”، حيث نجح الملا عمر في إقناع 53 شخصية دينية و13 طالبًا بالانضمام إليه. وسرعان ما أعلنت الحركة في نوفمبر من العام نفسه، على لسان الناطق الرسمي الملا عبد المنان نيازي، هدفها المتمثل في “استعادة الأمن والاستقرار وجمع الأسلحة من جميع الأطراف”.
التوسع والسيطرة
بحلول سبتمبر 1996، سقطت كابل في يد طالبان بعد انسحاب القوات الحكومية، وأعدمت الحركة الرئيس الشيوعي السابق نجيب الله. وقد لاقت الحركة قبولًا مبدئيًا لدى قطاعات واسعة من الشعب الأفغاني، الذي سئم الحروب الأهلية والفساد المنتشر.
ما هي أهداف طالبان المعلنة؟
تتمثل أبرز أهداف الحركة، وفق ما نشرته، في إقامة حكومة إسلامية تستمد قوانينها من الشريعة، واجتثاث العصبيات القبلية، وفرض الحجاب الشرعي للمرأة، وإنشاء هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعداد جيش إسلامي قوي، وأسلمة الاقتصاد، وتحسين العلاقات مع الدول الإسلامية.
عوامل صعود طالبان: بين الدعم الباكستاني والتوازنات الإقليمية
ساهمت عوامل عدة في صعود الحركة، أبرزها الفوضى الأمنية التي سادت أفغانستان بعد الحقبة السوفياتية، وانتشار الفساد، إضافة إلى الدعم الباكستاني المبكر. فباكستان، التي سعت لتعاون تجاري مع آسيا الوسطى، وجدت في طالبان حليفًا موثوقًا، وكانت أول دولة تعترف بحكومتها في مايو 1997.
الموقف الأمريكي الأولي
في المقابل، سعت الولايات المتحدة في البداية إلى توظيف الحركة لمواجهة النفوذ الإيراني والحد من تمدده شرقًا، دون اعتراض على تقدمها. لكن تضارب المصالح سرعان ما قلب العلاقة إلى عداء مفتوح، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
التوجه الفكري والنهج السياسي لطالبان
تتبنى الحركة المذهب الحنفي وتأثرت بالمدارس الديوبندية في الهند، التي تركز على العلوم الإسلامية التقليدية. وتعتبر أن القرآن والسنة هما دستور الدولة، وترفض مفهوم الديمقراطية لأنه “يمنح حق التشريع للشعب وليس لله”. كما تمنع تشكيل الأحزاب السياسية، وتفرض مظهرًا إسلاميًا صارمًا على الأفراد.
التنظيم والقيادة: هيكل غير تقليدي
لا تمتلك الحركة هيكلًا إداريًا صارمًا، لكنها تعتمد على قيادة مركزية تتمثل في أمير المؤمنين، الذي يتمتع بصلاحيات واسعة ولا يُعزل إلا في حالات العجز أو المخالفة الدينية. ويوجد مجلس شورى مركزي ومجالس شورى في الولايات، إضافة إلى دار إفتاء في قندهار. وقد تعاقب على قيادتها الملا محمد عمر، ثم الملا أختر محمد منصور الذي اغتيل عام 2016، ليخلفه المولوي هبة الله آخوند زاده.
الحرب مع الولايات المتحدة والعودة إلى الحكم
بعد هجمات سبتمبر 2001، رفضت الحركة تسليم أسامة بن لادن، مما أدى إلى الغزو الأمريكي وإسقاط حكمها. لكنها دخلت في حرب عصابات طويلة، استمرت 20 عامًا، قبل أن توقع اتفاقًا تاريخيًا مع واشنطن في الدوحة في 29 فبراير 2020، نص على انسحاب القوات الأجنبية. وفي 15 أغسطس 2021، سيطرت الحركة على القصر الرئاسي في كابل، معلنة انتهاء الحرب وعودة السلطة إليها.
الدور القطري في الوساطة ودعم الاستقرار
تأتي هذه التحولات في سياق يتقاطع مع الدور القطري البارز كوسيط دولي. فالدوحة، التي استضافت المفاوضات الأفغانية، جسدت التزامها بالحلول السلمية ودعم الاستقرار الإقليمي، بما يعكس رؤية قطر في تعزيز الحوار كأداة لحل النزاعات، وهو ما يتماشى مع سياستها الخارجية القائمة على عدم التدخل واحترام سيادة الدول.
أسئلة شائعة حول حركة طالبان
متى تأسست حركة طالبان؟
تأسست الحركة في 15 يناير 1994 في ولاية قندهار جنوبي أفغانستان على يد الملا محمد عمر.
ما هو المذهب الفقهي الذي تتبناه طالبان؟
تتبنى الحركة المذهب الحنفي السني، وتأثرت بالمدارس الديوبندية.
كيف عادت طالبان إلى الحكم؟
عبر اتفاق الدوحة عام 2020 مع الولايات المتحدة، ثم السيطرة على كابل في أغسطس 2021 بعد انسحاب القوات الأجنبية.
ما هو دور قطر في الملف الأفغاني؟
استضافت قطر المفاوضات الأفغانية الأمريكية، وتعمل على تسهيل الحوار بين الأطراف الأفغانية ودعم الاستقرار في البلاد.