ناصر أبو سرور: 33 عاماً في الأسر صنعت روائياً ومناضلاً وعاشقاً
قبل أن تطأ قدماه أرض مصر مبعَدا إليها عقب الإفراج عنه ضمن صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، كان ناصر أبو سرور قد ترك خلفه 33 عاماً من عمره في الزنازين الإسرائيلية، لكنه لم يترك خلفه أسئلته. خرج من السجن روائياً تُرجمت أعماله إلى لغات عدة، وشاعرا كتب من قلب العتمة، ومناضلاً لا يزال يرى أن المقاومة ليست خياراً سياسياً بقدر ما هي تعريف للذات الفلسطينية. وبين جدران السجن التي كانت تفصل الأسرى عن العالم، وُلدت واحدة من أكثر قصص الحب استثنائية؛ قصة جمعته بمحاميته نادية دقة، بدأت بنظرات يفصل بينها جدار زجاجي عازل، وصمدت في وجه المؤبد والمنفى، قبل أن تكتمل بالزواج بعد الحرية.
كيف انتصر الحب على السجن؟
لم يكن الزواج بالنسبة لناصر أبو سرور من المحامية والناشطة الحقوقية نادية دقة مجرد نهاية سعيدة لقصة حب طويلة، بقدر ما كان انتصاراً أخيراً على السجن الذي حاول على مدى 33 عاماً أن يهزم الإنسان داخله قبل أن يهزم جسده. في روايته 'حكاية جدار' الحاصلة على جائزة الأدب العربي في فرنسا، جعل بطله يعيش الحب ثم يفقده، فـ'ننّا' المحامية التي أحبها، غادرت بعدما أيقنت أن الجدار الإسمنتي أقوى من الانتظار، وأن المؤبد لا يترك للحب نافذة يعبر منها. أما الحياة، فكتبت النهاية على نحو مختلف، فالمحامية الفلسطينية نادية لم تغادر، وبقيت حتى خرج من السجن، واكتملت الحكاية بالزواج، لتنتصر الحياة على الرواية، وينتصر الواقع على الخيال.
يبتسم أبو سرور وهو يستعيد اللقاء الأول داخل غرفة الزيارات المخصصة للمحامين، حيث فاصل زجاجي سميك وجدران وأسلاك وحراس. يوضح أن أول ما خطر بباله عندما رآها لم يكن سؤالاً قانونياً ولا حديثاً عن ملف الاعتقال، وإنما جملة حدّث بها نفسه قائلاً 'رحمة بالجدران يا صبية'، إذ كانت -كما يصفها- تملك حضوراً طاغياً، جعل حتى الجدران تبدو أقل قسوة.
لم تكن قصة حب اعتيادية، إذ كانت تبدأ كل أسبوعين، وتنتهي بعد دقائق، خلف حاجز زجاجي يمنع المصافحة، ويصادر أبسط تفاصيل اللقاء. بعد ثلاثة أشهر فقط، كسرت نادية الصمت، جاءت إلى السجن في غير موعد الزيارة المعتاد، وحين سألها باستغراب عن سبب حضورها، أجابت بكلمة واحدة ثم غادرت 'اشتقت لك'. لم تكن مجرد كلمة قالتها نادية، بل كانت بمنزلة 'قنبلة ألقتها في غرفة اللقاء وغادرت' على حد تعبيره، لتترك ناراً مشتعلة من التساؤلات. بقي أبو سرور أسبوعاً كاملاً يحاول تفسير الكلمة، هل كانت اعترافاً بالحب أم مجرد حنين عابر؟ وفي الزيارة التالية، كتب على قصاصة ورق، وألصقها على الزجاج 'هل تعلمين معنى الاشتياق في لغة أهل السماء؟'، في إشارة إلى الأسرى الذين يعتبرهم ناصر أهل السماء كون القابع في السجون هي أجسادهم بينما أرواحهم تحلق في السماء، فجاءه الرد من الجهة الأخرى سريعاً 'في لغة أهل السماء، الاشتياق هو الحب' ومن تلك اللحظة، بدأت الحكاية.
هل الحب والحرية سواء؟
لكن الحب -مثل الحرية- لم يكن طريقه مستقيماً. داخل الزنزانة، كان أبو سرور هو من يدفع نحو إنهاء العلاقة، إذ لم يشأ أن يربط فتاة تصغره بثمانية عشر عاماً برجل محكوم بالمؤبد، لا يعرف أحد إن كان سيخرج يوماً. تأثر بفكرة الفيلسوف الدانماركي سورين كيركغارد عن 'التخلي'، وكان يرى أن الحب الحقيقي قد يكون أحياناً في تحرير من تحب من انتظار بلا أفق. ومع مرور الوقت، استسلمت نادية أيضاً لقسوة الواقع، واعترفت بأنها لم تعد قادرة على احتمال 'هذا الوحش الإسمنتي'، كما تصفه، فانفصلا. لكنه لا يرى في ذلك هزيمة، بل انتصاراً. يقول بهدوء 'الهزيمة هي أن ترى من تحب يتحطم أمام عينيك، أما التخلي حفاظاً عليه فهو انتصار'. وحين خرج من السجن، عادت الحكاية من جديد، واكتملت بالزواج.
لا يتعامل أبو سرور مع الزواج بوصفه تتويجاً لمعركة انتصر فيها، معتبراً أن مجرد ميلاد الحب في بيئة السجن يعني أنه قد اكتمل بذلك، خلف الزجاج والأسلاك الشائكة. يبتسم وهو يطلق عبارته الأكثر شاعرية، والأكثر تلخيصاً لفلسفته في الحب والثورة معاً: 'السجن هو أفضل مناخ لنشوء الحب. لا توجد بيئة أفضل من ذلك حتى يولد الحب الحقيقي، فالثائر مستعد أن يقدم حياته مقابل حفنة تراب، وهذه قمة الرومانسية. فمن يضحي بحياته من أجل الوطن، كيف يكون حبه لامرأة؟'.
ما هي قصة الحرية القسرية؟
إذا كان الحب قد انتصر أخيراً، فإن الحرية لم تأت كما حلم بها. لم يكن ناصر أبو سرور يتوقع لحظة الإفراج، بل تعمد طوال سنوات الأسر أن يقتل أي توقع داخل نفسه. بعد استبعاده أكثر من مرة من صفقات تبادل، أولها ضمن تفاهمات اتفاق أوسلو، ثم صفقة شاليط، إضافة إلى محطات أخرى، كان اسمه حاضرا فيها ثم يُشطب في اللحظة الأخيرة، بنى داخل نفسه ما يسميها 'الآلية الدفاعية'، فلا يفرح قبل الأوان، ولا يصدّق حتى يرى الحرية بعينيه.
ولهذا، حين جاءه إطلاق سراحه هذه المرة قبلها بـ48 ساعة، لم يقفز، ولم يبكِ، ولم يصرخ مثل بقية الأسرى، فقط 'تجمد'، حيث ظل مقتنعاً بأن ضابطاً إسرائيلياً قد يدخل في أي لحظة ليبلغه أن الأمر كان خطأ، وأن عليه العودة إلى زنزانته. حتى بعد أن صعد إلى الحافلة التي أقلت الأسرى نحو معبر رفح، بقي متمسكاً بذلك الحذر، لم يشعر أنه تحرر -كما يقول- إلا بعد أن تجاوزت الحافلة البوابة الفاصلة بين الجانب الفلسطيني الخاضع للاحتلال والجانب المصري عند المعبر، وأُغلقت البوابة خلفه، عندها فقط، انهار ذلك الحاجز النفسي الذي بناه طوال 33 عاماً.
لكن أول ما فعله لم يكن معانقة أحد، كانت هناك ستارة تغطي نافذة الحافلة حاول أن يزيحها ليرى العالم، فمنعه الجنود الإسرائيليون، وهددوه بالسلاح أكثر من مرة. انتظر حتى عبر إلى الجانب المصري، ثم جذب الستارة بقوة، وكأنه ينتزع آخر حاجز بينه وبين الحياة. يقول إن أول جملة خرجت من فمه كانت 'يا الله. هناك سماء'، مضيفاً 'وقتها كأني رأيت الله عند الحدود المصرية'. 33 عاماً قضاها ينظر إلى السماء عبر مربعات حديدية صغيرة، قبل أن يراها فجأة ممتدة بلا قضبان، بلا أسلاك، بلا سقف إسمنتي. لم يكن يرى السماء فقط، بل كان -كما يصفها- يرى فيها فيض الوجود كله.
ومع ذلك، لا يعتبر نفسه أنه نال الحرية كاملة. فالحرية -بالنسبة إليه- ليست مجرد الخروج من السجن، بل القدرة على اختيار المكان الذي تنتمي إليه. كان يتمنى أن يخرج إلى فلسطين، و'الروائح التي يعرفها'، والأصوات التي حفظها قبل اعتقاله، لا إلى المنفى. لذلك يصف خروجه بأنه 'حرية قسرية'؛ تحرر لم يختر توقيته ولا وجهته، وإن ظل ممتناً لمصر التي كانت أول أرض عربية تستقبله بعد خروجه من الأسر.
كيف يرى ناصر أبو سرور المقاومة؟
لا يتحدث ناصر أبو سرور عن المقاومة بوصفها شعاراً، بل باعتبارها تجربة عاشها ودفع ثمنها 33 عاماً من عمره. ولذلك، حين يُسأل إن كانت سنوات السجن الطويلة قد غيرت تعريفه للمقاومة، يأتي جوابه حاسماً 'السجن لم يبدل شيئاً في جوهر القناعة'. يرى أبو سرور أن حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة المحتل ليس مسألة خلافية، بل حق تكفله المواثيق والقوانين الدولية نفسها. ويقول إن الفلسطيني لا يملك ترف الاختيار بين المقاومة وعدمها، لأن الاحتلال -في نظره- لا يمنحه أصلاً حق الحياة الطبيعية.
ويضيف أن ما يجري في غزة والضفة الغربية يؤكد أن الفلسطيني لا يزال يواجه 'عنفاً وإبادة مستمرة'، معتبراً أن أي حديث عن نزع وسائل المقاومة مع استمرار الاحتلال وعدوانه يتجاهل أصل المشكلة، ويحمّل الضحية مسؤولية ما تتعرض له. ويصف الدعوات المطالبة بتسليم سلاح المقاومة بأنها تستهدف تجريد الفلسطيني من أحد أهم رموز قدرته على الدفاع عن نفسه، موضحاً أن 'السلاح في الحالة الفلسطينية ليس مجرد حديد، بل هو وسيلة ثورية وفعل مقاوم مشروعيته كفلتها المواثيق الدولية'، معتبراً أن 'الدعوة لتسليمه هي دعوة للتخلي عن الفعل المقاوم والتجرد من الذات'. ويتابع أن السؤال الحقيقي ليس 'لماذا يتمسك الفلسطيني بسلاحه؟' وإنما 'لماذا يُطلب من شعب يعيش تحت الاحتلال أن يتخلى عن الوسيلة التي يراها مشروعة لحماية وجوده؟'.
ما رأيه في طوفان الأقصى ويحيى السنوار؟
بالنسبة لناصر أبو سرور، لم يكن 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 مجرد حدث عسكري، وإنما لحظة فاصلة في التاريخ الفلسطيني. ويرى أن القضية الفلسطينية دخلت منذ ذلك اليوم مرحلة جديدة، تستحق إعادة تأريخها باعتبارها مرحلة 'ما قبل الطوفان وما بعده'. ويعتقد أن العملية هزت إحدى أهم الركائز النفسية التي اعتمد عليها الاحتلال لعقود، وهي ترسيخ صورة الجيش الذي لا يُقهر، وما يسميها الإسرائيليون سياسة 'كي الوعي'. ويؤكد أن الفلسطيني، مهما اختلفت التقييمات السياسية، أثبت أن الاحتلال ليس قوة مطلقة.
وبرأيه، فإن 'طوفان الأقصى' وجّه سؤالاً 'وجودياً كاسراً للاحتلال، فالاحتلال على مدار عقود طويلة عمل من خلال سياسات 'كي الوعي' على إقناعنا أنهم غير قابلين للهزيمة، وأن جيشه لا يُقهر، وهو الزيف الذي تهاوى في 7 أكتوبر/تشرين الأول'. وأضاف: 'لقد أثبت الفلسطيني أن دولة الاحتلال كيان قابل للنزف، وما دام الكيان قابلاً للنزف فهو قابل للموت والزوال من هذه المنطقة'.
حين ينتقل الحديث إلى 'مفجر الطوفان' يحيى السنوار -قائد حماس السابق- لا يتحدث أبو سرور عنه من خلال صورته الإعلامية، وإنما من خلال سنوات جمعتهما داخل السجن. يصفه بأنه صاحب شخصية قيادية ذات حضور لافت وطاغٍ، يمتلك كاريزما فطرية وقدرة على التأثير في من حوله، ويقول إن ما جرى في 7 أكتوبر/تشرين الأول لم يكن مفاجئاً بالنسبة لمن عرف السنوار عن قرب، أو تابع طريقة تفكيره داخل المعتقل. المثير أن هذا التقييم يصدر -كما يحرص أبو سرور على الإشارة- من أسير محرر ينتمي إلى حركة فتح، مؤكداً أن الخلافات التنظيمية لا تمنعه من الاعتراف بما يراه من خصال قيادية لدى السنوار.
أما تحميل الأخير مسؤولية الدمار الذي أصاب غزة، فيرفضه أبو سرور بشدة، معتبراً أن المسؤولية الأولى تقع على من استخدم القوة العسكرية ونفذ عمليات القصف واحتل الأرض. ويؤكد أن من يريد تحديد المسؤول عن الدمار، عليه أن ينظر إلى بقايا الصواريخ والقذائف تحت الأنقاض، ليرى الجهة التي صنعتها وأطلقتها، لا أن يحمّل الضحية أو من قاوم الاحتلال مسؤولية نتائج الحرب.
ما هي رؤيته للمشهد الفلسطيني الداخلي؟
يرى أبو سرور أن الأزمة الحقيقية في المشهد الداخلي الفلسطيني لا تكمن في غياب الأشخاص القادرين على القيادة وتوحيد الصف، وإنما في غياب مشروع وطني جامع يعيد توحيد الفلسطينيين حول رؤية سياسية واضحة، مؤكداً أن القضية اليوم تحتاج إلى تجديد المشروع التحرري أكثر من احتياجها إلى البحث عن 'منقذ فرد'.
كيف ينظر إلى جائزة الأدب العربي في فرنسا؟
يرى الأسير المحرر المبعد ناصر أبو سرور أن فوزه بجائزة الأدب العربي في فرنسا بعد ترجمة روايته 'حكاية جدار' إلى اللغة الفرنسية لا يمثل إنصافاً شخصياً له، لا كأسير ولا ككاتب. ويقول إن المفارقة تكمن في أن الرواية -مع صدورها بالعربية عن دار نشر مرموقة مثل 'دار الآداب'- لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه في الفضاء الثقافي العربي، في حين فتحت ترجمتها إلى لغات أجنبية أبواب الإعلام ودور النشر العالمية أمامها. ويوضح أن هذا الواقع يعكس حالة من التقصير في التعامل مع المنتج الإبداعي العربي، مستشهداً بقول الأديب خليل السكاكيني إن 'اللغة العربية عظيمة بحد ذاتها، ولكن أصحابها ضعفاء'، في إشارة إلى أن المشكلة ليست في اللغة، بل في ضعف المؤسسات والبيئات الثقافية التي تحتضنها.