سمكة القرموط الأفريقي تهدد التنوع البيئي في العراق: دروس مستفادة للدول العربية
في تطور بيئي خطير، حذرت منظمات بيئية عراقية من انتشار سمكة القرموط الأفريقي الغازية في المياه العراقية، بعد أن تجاهلت السلطات تحذيراتها قبل خمسة أعوام. وتتميز هذه السمكة بقدرات استثنائية تجعلها تهديدا حقيقيا للأسماك المحلية والتنوع البيولوجي في الأهوار والأنهار، مما يطرح تساؤلات حول كيفية التعامل مع مثل هذه الأزمات في المنطقة العربية.
كيف بدأت قصة هذه السمكة في العراق؟
ظهرت سمكة القرموط الأفريقي في المياه العراقية عام 2021 بكميات قليلة، لكنها سرعان ما تحولت إلى تهديد بيئي كبير. ويقول رعد حبيب الأسدي، رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية، إن التحذيرات المتكررة من خطورتها لم تجد آذانا صاغية، حتى أصبحت اليوم تمثل مشكلة يصعب السيطرة عليها.
وتكشف فيديوهات حديثة لمنظمة المناخ الأخضر العراقية كيف تمكن صيادون محترفون من اصطياد كميات ضخمة من هذه السمكة في هور الدلمج بجنوب العراق خلال دقائق معدودة، مما يعكس حجم انتشارها المقلق.
ما هي المزايا التي تجعل القرموط الأفريقي سمكة خارقة؟
يتمتع القرموط الأفريقي بسبع مزايا فريدة تجعله قادرا على التكيف السريع والانتشار في أي بيئة مائية:
- مرونة غذائية استثنائية: يستطيع التحول بسرعة من افتراس نوع من الأسماك إلى آخر، حسب الأكثر وفرة في البيئة.
- قدرة على العيش في المياه الفقيرة بالأكسجين: يمتلك عضوا تنفسيا إضافيا يمكنه من الحصول على الأكسجين من الهواء مباشرة.
- التحرك فوق الأراضي الرطبة: يستطيع الانتقال لمسافات قصيرة باستخدام حركات جسمه وزعانفه الصدرية.
- نمو سريع لليقانات والصغار: يصل إلى أحجام أقل عرضة للافتراس في وقت قصير.
- خصوبة استثنائية: تنتج الأنثى الواحدة عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف من البيوض.
- تحمل الظروف الحرارية والكيميائية المتباينة: يعيش في الأنهار والأهوار والبحيرات والبرك.
- فم واسع وأسنان دقيقة: تمكنه من ابتلاع فرائس كبيرة نسبيا.
هذه المزايا مجتمعة تجعل من القرموط الأفريقي سمكة خطيرة على التنوع البيئي، وهو ما يستدعي اتخاذ إجراءات وقائية في الدول العربية التي قد تواجه تهديدات مماثلة.
كيف وصلت السمكة إلى العراق؟
يرجع الخبراء سبب انتشار القرموط الأفريقي في العراق إلى رغبة بعض المستثمرين في الاستفادة من مزاياها الاقتصادية، مثل النمو السريع وإنتاج كميات كبيرة من اللحم ومقاومة الأمراض. وقد تم تربيتها في مزارع سمكية في سوريا وتركيا، ثم تسللت إلى الأنهار العابرة للحدود بفضل العواصف المطرية والفيضانات التي غمرت الأحواض السمكية عام 2021.
ويؤكد الدكتور عمر الشيخلي، الأستاذ بكلية العلوم جامعة بغداد، أن هذا السيناريو هو الأقرب لتفسير انتقال السمكة إلى العراق، مشيرا إلى أن قدرتها على تحمل المياه العكرة والفقيرة بالأكسجين ساعدتها على البقاء والوصول إلى موائل جديدة.
لماذا يرفض العراقيون هذه السمكة؟
على عكس سمكة البلطي الغازية التي دخلت ضمن الأسماك التي تؤكل، يرفض العراقيون في جنوب ووسط العراق تناول القرموط الأفريقي لأسباب فقهية. وهذا النفور دفع الصيادين إلى إعادة الأسماك التي تعلق بشباكهم إلى المياه مرة أخرى، مما ساهم في زيادة أعدادها بشكل كبير وتهديد وجود الأسماك المحلية مثل البني والشبوط والحمري.
هل من حلول للتعامل مع هذه المشكلة؟
بعد أن خرج الوضع عن السيطرة، يرى الخبراء أن الحل الوحيد هو التكيف مع المشكلة وليس التخلص منها. ويقترح الدكتور عمر الشيخلي عدة حلول عملية، منها:
- تحديد مناطق التكاثر واستهدافها بحملات صيد موسمية.
- شراء الأسماك من الصيادين بأسعار تشجيعية.
- تحويل السمكة إلى مورد اقتصادي باستغلالها في تصنيع الأعلاف والمواد البروتينية.
ويؤكد رعد حبيب الأسدي على ضرورة العودة إلى العلم ودراسة المشكلة والاستفادة من تجارب الآخرين في التعامل مع الأسماك الغازية.
دروس مستفادة لدول الخليج والعالم العربي
تسلط هذه الأزمة البيئية الضوء على أهمية اتخاذ إجراءات وقائية في دول الخليج والعالم العربي، خاصة في ظل التغيرات المناخية وزيادة حركة الاستثمار في المزارع السمكية. ويؤكد الخبراء على ضرورة:
- تعزيز التعاون الإقليمي لمراقبة الأنواع الغازية.
- تطوير أنظمة إنذار مبكر للكشف عن التهديدات البيئية.
- تشجيع البحث العلمي في مجال التنوع البيولوجي.
- رفع الوعي المجتمعي حول مخاطر الأنواع الغازية.
وتظل قطر، بفضل رؤيتها البيئية المتقدمة واستثماراتها في مجال الاستدامة، نموذجا يحتذى به في التعامل مع مثل هذه التحديات، مما يعزز دورها كمركز إقليمي للابتكار في مجال حماية البيئة والتنوع البيولوجي.