تعقيدات تشكيل الحكومة العراقية وتأثير التدخل الأمريكي على المشهد السياسي
تشهد العملية السياسية في العراق تعقيدات جديدة في ظل استمرار تعثر تشكيل الحكومة، وذلك بعد مرور قرابة ثلاثة أشهر على الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر الماضي. وقد بلغت هذه التعقيدات ذروتها مع التدخل الأمريكي المباشر في الشأن العراقي الداخلي.
رفض أمريكي لترشيح المالكي
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصته الإعلامية رفضه القاطع لترشيح نوري المالكي لمنصب رئاسة الوزراء، مهددا بوقف الدعم الأمريكي لبغداد. جاء هذا الموقف بعد أن رشح الإطار التنسيقي، التحالف الجامع للكتل الشيعية، المالكي للمنصب بالأغلبية وليس بالإجماع كما جرت العادة.
وأثار التدخل الأمريكي عاصفة سياسية في الأوساط العراقية، حيث اعتبرته بعض الأطراف تدخلا صريحا في الشؤون الداخلية، بينما رأى آخرون ضرورة مراعاة الواقع الاقتصادي للعراق والسيطرة الأمريكية على إيراداته النفطية.
موقف المالكي والاستعداد للانسحاب
في تطور لافت، أبدى المالكي مرونة في موقفه خلال حوار تلفزيوني، مؤكدا أن الإطار التنسيقي هو صاحب الحق في ترشيح شخصية رئيس الوزراء، وأنه سيستجيب لقراره بكل رحابة صدر في حال قرر العدول عن ترشيحه.
ويشغل المالكي البالغ من العمر 75 عاما منصب رئاسة الوزراء سابقا لدورتين متتاليتين بين 2006 و2014، وشهدت ولايته الأخيرة سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من البلاد.
تحليل المشهد السياسي
يؤكد الباحث السياسي صلاح بوشي المقرب من ائتلاف دولة القانون أن تصريح المالكي لا يعكس رضوخا للضغوط الخارجية، بل موقفا مسؤولا يؤكد أن الترشيح قرار مؤسسي وليس شخصيا، مشددا على أن القرار العراقي يجب أن يصنع داخل بغداد لا خارجها.
من جهته، يرى أحمد الوندي المتحدث باسم ائتلاف النصر أن الأولوية يجب أن تكون لبناء معادلة سياسية مستقرة تقوم على التفاهم والتوازن بين القوى الوطنية، بعيدا عن التسرع أو الضغوط التي قد تنتج حلولا مؤقتة.
معايير الاختيار والتوافقات
وضع الإطار التنسيقي معايير واضحة لاختيار رئيس الوزراء تتمثل في القبول الدولي والوطني والمرجعي والإقليمي. وأشار أحمد الساعدي النائب عن تحالف الحكمة الوطني إلى التزام تياره بهذه الشروط، مبينا أن تحفظه على ترشيح المالكي ينطلق من الإخلال بها وتغليب المصلحة الوطنية.
التوقعات المستقبلية
يتوقع الباحث السياسي سيف السعدي أن حسم شخصية رئيس الوزراء يحتاج لعدة أسابيع، مشيرا إلى وجود معادلة طهران-واشنطن والتهديد الأمريكي بالملف الاقتصادي وتأثيره على تشكيل الحكومة.
كما يرى أستاذ العلوم السياسية محمود عزو أن المالكي سينسحب في نهاية المطاف من الترشح بعد إدراكه حجم الرفض الداخلي والخارجي لتوليه المنصب، مما قد يمهد لتغيير التوازنات السياسية في جميع مفاصل الحكم.
وتبقى العملية السياسية العراقية أمام تحديات كبيرة تتطلب توافقات وطنية حقيقية تحفظ سيادة البلاد وتضع مصالحها فوق الاعتبارات الخارجية والحزبية الضيقة.