أفغانستان بعد خمس سنوات: اعتراف مؤجل وعلاقات عملية تتوسع
بعد خمس سنوات على عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابل، باتت علاقات أفغانستان بالعالم أكثر تعقيداً من معادلة العزلة أو الانفتاح. فباستثناء روسيا التي اعترفت رسمياً بالحكومة الأفغانية في يوليو 2025، ما تزال الغالبية العظمى من الدول تتحفظ على منح طالبان اعترافاً سياسياً كاملاً، لكنها في المقابل وسّعت قنوات الاتصال والتعاون في ملفات الأمن والتجارة والطاقة والنقل والمساعدات. وتكشف هذه المعادلة أن أفغانستان باتت محاطة بشبكة علاقات عملية تتجاوز الاعتراف الرسمي، في مشهد يضع الدوحة أمام فرصة لتعزيز دورها كوسيط دولي فاعل.
كيف تتعامل القوى الكبرى مع حكومة طالبان؟
يقول وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي إن كابل تتعامل حالياً مع أكثر من 40 بعثة دبلوماسية، بين سفارات وقنصليات في دول مختلفة، إضافة إلى عشرات البعثات الأجنبية والمنظمات العاملة في كابل. هذا الرقم يعكس تحولاً ملموساً من العزلة إلى التعامل الوظيفي، حيث تفتح الحكومات قنوات اتصال وتتعامل مع مؤسسات طالبان، لكنها تؤجل الخطوة الأكثر حساسية: منحها الشرعية السياسية الكاملة.
الصين: الأمن والمناجم في المقدمة
تعد الصين من أبرز شركاء طالبان رغم عدم اعترافها الرسمي بالحكومة الأفغانية. وتدير بكين سفارتها في كابل، وتتعاون مع السلطات الأفغانية في ملفات الأمن والاستثمار، في ظل حرصها على منع تحوّل أفغانستان إلى مصدر تهديد لإقليم شينغيانغ. ويبرز التعدين بين أهم مجالات التعاون، ولا سيما مشروع منجم النحاس في ولاية لوغر، الذي حصلت شركة صينية على حق استغلاله بموجب عقد يعود إلى عام 2008، باستثمار معلن يقارب 3.4 مليارات دولار. كما تنظر بكين إلى أفغانستان بوصفها ممراً محتملاً نحو آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وهو ما يفسر اهتمامها المتزايد بممر واخان الذي قد يربط الصين مباشرة بالسوق الأفغانية.
ويقول مصدر في الخارجية الأفغانية، فضّل عدم ذكر اسمه، إن الصين قبلت سفير حكومة طالبان، لكنها لم تعلن اعترافاً رسمياً بها. ويضيف أن كابل طلبت من بكين إعلان الاعتراف، لكن الجانب الصيني أشار إلى تبادل السفراء ووجود علاقات تجارية قائمة، موضحاً أن سياسة الصين في الاعتراف الرسمي بالحكومات تستغرق عادة وقتاً طويلاً.
باكستان: من حليف إلى خصم
تمثّل باكستان الحالة الأكثر تعقيداً في علاقات طالبان بدول الجوار؛ فقد كانت إسلام آباد، لسنوات، من أكثر الأطراف ارتباطاً بالحركة، لكنها دخلت بعد عودة طالبان إلى الحكم في خلافات متصاعدة مع كابل، خصوصاً بشأن الحدود ونشاط حركة طالبان باكستان. وتتركز الخلافات حول خط ديورند، الذي ترفض أفغانستان الاعتراف به حدوداً دولية نهائية، فضلاً عن اتهام إسلام آباد كابل بالسماح لمسلحي طالبان باكستان بالعمل من الأراضي الأفغانية، وهو ما تنفيه الأخيرة. وفي المقابل، تستخدم كابل التجارة والمعابر الحدودية ضمن أوراق الضغط، وتعمل بصورة متزايدة على تنويع طرقها التجارية عبر إيران وآسيا الوسطى. وتكشف العلاقة مفارقة واضحة: فالبلدان يحتاجان إلى بعضهما اقتصادياً، لكن الحسابات الأمنية والسياسية تدفعهما نحو مزيد من التوتر.
آسيا الوسطى: البحث عن الربط والطاقة
تتقدم أوزبكستان قائمة الدول الأكثر نشاطاً في بناء علاقات اقتصادية مع حكومة طالبان. ووقّع البلدان في عام 2026 اتفاقيات تجارية معلنة بقيمة تقارب 520 مليون دولار. لكن المشروع الأهم إستراتيجياً هو خط السكك الحديدية المقترح الذي يربط أوزبكستان بأفغانستان ثم باكستان، ويمكن أن يمنح دول آسيا الوسطى منفذاً إلى موانئ بحر العرب. وترى طشقند في المشروع جزءاً من إستراتيجية تنويع التجارة، بينما تعدّه طالبان فرصة لتحويل أفغانستان من دولة حبيسة إلى حلقة وصل بين وسط آسيا وجنوبها.
أما تركمنستان، فتتعامل مع كابل بمنطق اقتصادي يركز على أمن الحدود ومشروعات الطاقة. ويعد خط أنابيب الغاز تابي، الممتد من تركمنستان عبر أفغانستان إلى باكستان والهند، أبرز مشاريع التعاون. وتبلغ كلفة المشروع الإجمالية مليارات الدولارات، فيما يصل طول الجزء الأفغاني منه إلى نحو 735 كيلومتراً.
ويقول الخبير في الشؤون الأمنية عبد الجليل أميني إن روسيا ودول آسيا الوسطى تسعى إلى التقارب مع طالبان بدوافع اقتصادية وأمنية، في مقدمتها نقل موارد الطاقة، ولا سيما الغاز، إلى أسواق جنوب آسيا عبر الأراضي الأفغانية. ويضيف أن القلق من نشاط تنظيم الدولة الإسلامية يمثل دافعاً أكثر إلحاحاً، إذ ترى هذه الدول أن طالبان قادرة على ضبط الحدود المشتركة، وقد نجحت في الحفاظ على قدر من الاستقرار الأمني فيها.
إيران: الجغرافيا تفرض الشراكة
ترتبط إيران بأفغانستان بعلاقات واسعة في التجارة والنقل والطاقة والحدود، رغم عدم اعترافها الرسمي بحكومة طالبان. ويبرز ميناء تشابهار بوصفه أحد أهم البدائل أمام أفغانستان لتقليل الاعتماد على الموانئ الباكستانية، ولا سيما بعد تكرار إغلاق المعابر بين البلدين. وتسعى طهران إلى توسيع صادراتها إلى السوق الأفغانية، فيما تحتاج كابل إلى طريق أكثر استقراراً نحو البحر والمحيط الهندي. لكن قضايا المياه والحدود والهجرة تبقى من الملفات الحساسة، خصوصاً الخلاف المتعلق بتقاسم مياه نهر هلمند.
الهند وتركيا: حضور من دون اعتراف
أعادت الهند بناء علاقتها مع كابل تدريجياً، بعدما كانت من أبرز داعمي الحكومة الأفغانية السابقة. وتدرك نيودلهي أن ترك الساحة الأفغانية للصين وباكستان وإيران قد يضر بمصالحها، لذلك تحاول الحفاظ على حضورها عبر التجارة والمساعدات من دون الانتقال إلى الاعتراف الرسمي بطالبان. ويقول السفير الأفغاني السابق لدى الهند فريد مموزي إن الهند خرجت، إلى حد كبير، من المعادلة الإقليمية بشأن أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي، لكنها تعمل اليوم على إعادة بناء علاقتها بكابل انطلاقاً من اعتبارات أمنية وإستراتيجية، تشمل موازنة النفوذ الباكستاني وفتح طريق نحو أسواق آسيا الوسطى. ويضيف أن طالبان تنتهج سياسة براغماتية تسعى من خلالها إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى المختلفة بما يخدم مصالحها.
وتواصل تركيا بدورها التعامل مع حكومة طالبان في مجالات التجارة والبناء والطاقة، مع إبقاء موقفها السياسي دون اعتراف رسمي. كما تمنح أنقرة أهمية للتعليم والمساعدات والعمل الإنساني، ما يجعل نفوذها في أفغانستان مزيجاً من المصالح الاقتصادية والدبلوماسية والقوة الناعمة.
ما موقف العالم العربي من حكومة طالبان؟
بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، أبقت قطر والسعودية والإمارات على تمثيلها الدبلوماسي في كابل، قبل أن تسلّم السفارات الأفغانية لديها إلى ممثلي كابل، في خطوة عكست استمرار التعامل مع طالبان من دون اعتراف رسمي بها. ويقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة كابل أحمد كريمي إن السعودية والإمارات وباكستان كانت من الدول القليلة التي اعترفت بحكومة طالبان خلال فترة حكمها الأولى، لكن موقفها هذه المرة جاء أكثر تحفظاً، إذ اكتفت بقبول دبلوماسيين من الحركة. ويضيف أن علاقات هذه الدول مع كابل لا تزال محدودة نسبياً، مقارنة بالانفتاح الذي تبديه دول آسيا الوسطى في مجالات التجارة والطاقة والمشروعات الإقليمية.
هل يشكل التعامل الوظيفي بديلاً عن الاعتراف؟
حتى الدول الغربية التي ترفض الاعتراف بطالبان لم تقطع قنوات الاتصال معها؛ فالولايات المتحدة والدول الأوروبية تتواصل مع حكومة كابل بشأن الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة والمساعدات الإنسانية، إضافة إلى المحتجزين وإعادة المرحلين. غير أن هذه الاتصالات لا تعني تطبيعاً سياسياً كاملاً، إذ لا تزال قضايا حقوق النساء والفتيات والحريات العامة وشكل الحكم ومكافحة الإرهاب عقبات رئيسية أمام الاعتراف.
ويقول الخبير في العلاقات الإستراتيجية نجيب الكوزي إن العلاقة بين واشنطن وكابل لم تنقطع منذ الانسحاب الأمريكي، لكنها انحصرت إلى حد كبير في المجالين الأمني والاستخباراتي، ولا سيما تبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب وتنظيم الدولة. ويضيف أن الدول الأوروبية تتعامل مع حكومة طالبان في ملفات مكافحة الإرهاب والمخدرات والحد من الهجرة، مع استمرار تركيزها على قضايا حقوق الإنسان، مشيراً إلى أن بعثة الاتحاد الأوروبي تواصل عملها من كابل.
ما الذي تعنيه هذه التحولات للمنطقة؟
تكشف خريطة العلاقات خلال السنوات الخمس الماضية أن طالبان نجحت في تجاوز العزلة العملية التي بدت حتمية بعد أغسطس 2021. فالصين تنظر إلى الموارد والأمن، والهند إلى التجارة والمنافسة الإقليمية، وإيران إلى الحدود والممرات، ودول آسيا الوسطى إلى الطاقة والربط اللوجستي. وهكذا، باتت أفغانستان محاطة بشبكة علاقات عملية تتجاوز الاعتراف الرسمي؛ إذ تفتح الحكومات قنوات الاتصال وتتعامل مع مؤسسات طالبان، لكنها تؤجل الخطوة الأكثر حساسية: منحها الشرعية السياسية الكاملة.
وفي هذا السياق، يظل دور قطر محورياً في التوفيق بين متطلبات التعامل الدولي وضرورات الاستقرار الإقليمي، بما يعزز مكانتها كوسيط موثوق في الملفات الأفغانية والإقليمية، ويؤكد التزامها بدعم الحلول السلمية واحترام السيادة الوطنية للدول.