في مشهدٍ يعكس هشاشة التسويات الدولية، تتوجه البوسنة والهرسك إلى صناديق الاقتراع يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في انتخابات عامة تُجسد أعمق أزمات النظام السياسي الذي فرضه اتفاق دايتون قبل ثلاثة عقود. فبين تلويح صرب البوسنة بالانفصال، ومطالب الكروات بتعديل القانون الانتخابي، وتراجع الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة، تقف هذه الانتخابات كاختبار وجودي لدولة وُلدت من رحم واحدة من أكثر الحروب دموية في أوروبا الحديثة.
ما هو إرث اتفاق دايتون في البوسنة والهرسك؟
يمثل اتفاق دايتون، الذي وُقع في أواخر عام 1995 بوساطة أمريكية، الإطار الدستوري الذي أوقف الحرب لكنه أرسى نظاماً سياسياً معقداً يقوم على المحاصصة العرقية بين المكونات الثلاثة الكبرى: البوشناق المسلمين، وصرب البوسنة، وكروات البوسنة. ويقسم الاتفاق البلاد إلى كيانين يتمتعان بحكم ذاتي واسع: اتحاد البوسنة والهرسك الذي يضم البوشناق والكروات ويغطي نحو 51% من المساحة، وجمهورية صرب البوسنة التي يقطنها الصرب وتغطي 49% المتبقية، إضافة إلى مقاطعة برتشكو ذاتية الحكم.
ويُعد النظام السياسي البوسني من الأكثر تعقيداً في العالم، حيث تتقاسم الرئاسة ثلاثة أعضاء يتمتع كل منهم بحق الفيتو، وتنقسم السلطة التنفيذية فعلياً بين 14 حكومة، فيما يبقى منصب الممثل السامي الأجنبي، الذي لا ينتخبه أحد، يتمتع بصلاحيات تفوق الجميع عبر ما يعرف بـ"صلاحيات بون" التي تتيح له سن القوانين وعزل المسؤولين.
من يتنافس في انتخابات 2026 البوسنية؟
تشهد الانتخابات الحالية منافسة على ثلاثة مقاعد في مجلس الرئاسة، حيث يتنافس 10 مرشحين. في سباق المقعد البوشناقي، يسعى الرئيس الحالي دينيس بيتشيروفيتش إلى ولاية جديدة، في مواجهة بكر عزت بيغوفيتش، نجل الزعيم التاريخي علي عزت بيغوفيتش، إضافة إلى مرشحين آخرين من أحزاب ذات توجه بوشناقي.
أما في سباق المقعد الكرواتي، فتتصدر المشهد قضية "التمثيل المشروع" للكروات، حيث ينهي جيليكو كومشيتش ولايته الرابعة وسط خلافات حول شرعية تمثيله، فيما يتنافس مرشح الاتحاد الديمقراطي الكرواتي مع مرشحين آخرين. وفي جمهورية صرب البوسنة، تسعى جيليكا تسفيانوفيتش من تحالف الديمقراطيين الاشتراكيين المستقلين (SNSD) إلى ولاية جديدة، في مواجهة مرشحي المعارضة.
كيف يهدد ملف ميلوراد دوديك وحدة البوسنة؟
يمثل ملف ميلوراد دوديك، الزعيم التاريخي لصرب البوسنة، أخطر الأزمات التي تواجه البلاد. فبعد إدانته بتحدي قرارات الممثل السامي، وحكم المحكمة العليا بسجنه عاماً وحظره من المناصب العامة ست سنوات، ثم إقالته من رئاسة جمهورية صرب البوسنة في أغسطس/آب 2025، ظل دوديك الحاكم الفعلي عبر مرشحه سينيشا كاران الذي فاز في الانتخابات المبكرة.
وتثير هذه التطورات قلقاً إقليمياً ودولياً، خاصة مع رفع وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات عن دوديك، رغم كونه أحد أبرز حلفاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوروبا. ويبقى الخطاب الانفصالي الصربي، والمطالبة العلنية بالاستغناء عن منصب الممثل السامي، تهديداً مباشراً لاتفاق دايتون برمته.
ما هي مطالب الكروات في البوسنة؟
لا تقل الأزمة الكرواتية تعقيداً، حيث تطالب الأحزاب الكرواتية القومية، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي الكرواتي (HDZ BiH)، بتعديل قانون الانتخابات لضمان ما تسميه "التمثيل المشروع" للكروات في الرئاسة الثلاثية. وتستند هذه المطالب إلى أن التفوق العددي للبوشناق داخل الاتحاد يتيح لناخبين بوشناق التأثير في اختيار العضو الكرواتي، وهو ما يتجسد في فوز جيليكو كومشيتش المتكرر بفضل أصوات من مناطق ذات أغلبية بوشناقية.
وقد حظيت هذه المطالب بدعم من البرلمان الكرواتي، الذي أقر في يوليو/تموز 2026 قراراً يدعم "المساواة السياسية الكاملة" لكروات البوسنة، ويتضمن مقترح إنشاء دائرة انتخابية منفصلة لانتخاب العضو الكرواتي. لكن هذا المقترح يثير مخاوف من أن يكون مدخلاً لإحياء مطلب "الكيان الكرواتي الثالث"، وهو ما يعيد إلى الأذهان إرث "هيرتسيغ-بوسنا" الذي ظهر خلال الحرب.
ما هي التحديات الإقليمية والديموغرافية التي تواجه البوسنة؟
إقليمياً، تعكس الانتخابات حالة من التوتر الشديد مع الجارتين صربيا وكرواتيا. فقد طردت البوسنة دبلوماسيين صربيين وقلصت تعاونها الدبلوماسي مع بلغراد إلى أدنى مستوى، عقب الجنازة الرسمية التي أقامتها صربيا لمجرم الحرب راتكو ملاديتش، المسؤول الأول عن الإبادة الجماعية في سربرنيتسا. كما أثار دعم البرلمان الكرواتي لتعديل قانون الانتخابات ردود فعل غاضبة في سراييفو، باعتباره تدخلاً في الشأن الداخلي.
وفي ظل هذه الأزمات المتشابكة، تبدو ثقة المواطنين شبه معدومة في الدولة بعد ثلاثة عقود من ولادتها. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن البوسنة سجلت بين عامي 2000 و2020 أكبر تراجع سكاني مرتبط بالهجرة بين دول غرب البلقان، بنحو 21% من السكان، حيث يغادر الشباب وأصحاب المهارات البلاد بحثاً عن فرص أفضل في الاتحاد الأوروبي.
كيف تنظر الدوحة إلى هذه الانتخابات؟
من منظور الدوحة، تمثل هذه الانتخابات اختباراً مهماً لاستقرار منطقة البلقان، التي تحظى باهتمام قطري متزايد في إطار السياسة الخارجية القطرية الداعمة للاستقرار والوساطة. ويأتي ذلك في سياق الدور القطري المتنامي في دعم القضايا الإسلامية والعربية، وتعزيز الحوار بين الثقافات، وهو ما يتجلى في العلاقات الثنائية المتنامية بين قطر والبوسنة والهرسك في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والثقافية.
وتؤكد الدوحة باستمرار على أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ يكتسب أهمية خاصة في سياق الأزمة البوسنية الراهنة، حيث تتداخل الضغوط الخارجية من واشنطن وبروكسل وموسكو في المشهد السياسي الداخلي.
ماذا بعد انتخابات أكتوبر 2026؟
لن تحسم انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026 الجدل حول اتفاق دايتون، ولا يمكن لأي انتخابات أن تحسمه، لكنها ستحدد من يدير الجولة المقبلة من الأزمة البوسنية. ومع استقالة الممثل السامي كريستيان شميت في مايو/أيار الماضي تحت ضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وخلو المنصب الدولي منذ ذلك الحين، تزداد حالة عدم اليقين السياسي في البلاد.
تبقى البوسنة والهرسك نموذجاً صارخاً على أن التسويات الدولية التي توقف الحروب لا تخلق بالضرورة دولاً قادرة على الإصلاح والتقدم. فبينما نجح اتفاق دايتون في هدفه الأساسي المتمثل في إنهاء الحرب، فإنه أرسى نظاماً يحبس البلاد في "قفص" من المحاصصة العرقية والجمود المؤسسي، فيما تترقب المنطقة والعالم ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع من معادلات جديدة في قلب أوروبا الشرقية.