الاقتصاد الفلسطيني في مرمى اعتداءات المستوطنين: استهداف ممنهج للمصانع والكسارات
في تصعيد خطير يتجاوز اعتداءات المستوطنين على الأراضي والمنازل، باتت المنشآت الاقتصادية الفلسطينية، من مصانع وكسارات ومحاجر، هدفًا مباشرًا لهجمات ممنهجة تهدد مصادر رزق مئات العائلات وتعمق أزمة الاقتصاد الفلسطيني. وتشير بيانات رسمية إلى تسجيل ما يقارب 800 اعتداء في شهر واحد، ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لحماية الاقتصاد الفلسطيني وصمود أهله.
ما قصة الحريق الذي اندلع في مصنع الألمنيوم بعين سينيا؟
في صباح يوم الاثنين الماضي، اندلع حريق في محيط مصنع العمري للألمنيوم في قرية عين سينيا شمال رام الله، امتدت ألسنته إلى نحو خمسين دونمًا من أشجار الزيتون المعمرة وساحة المصنع التي كانت تضم مواد قابلة للاشتعال. وأكد رئيس مجلس محلي عين سينيا، عماد خاطر، أن الحريق يأتي ضمن سلسلة اعتداءات ممنهجة طالت القرية سابقًا، شملت حرائق متعمدة في الأشجار والمنازل والسيارات، إضافة إلى سرقات واعتداءات جسدية على المواطنين والعمال.
وحمل خاطر المسؤولية لراعي أغنام من مستوطني تلال عطارة، كان متواجدًا قرب المصنع في منطقة مخصصة لتخزين المواد ومحولات الكهرباء قبيل اندلاع النيران، مشيرًا إلى أن مستوطنين وصلوا إلى الموقع فور اندلاع الحريق، بينما عرقل جيش الاحتلال وصول الأهالي والعمال حتى التهمت النيران مساحات واسعة من الأشجار المعمرة.
كيف تستهدف اعتداءات المستوطنين الكسارات والمحاجر؟
في منطقة عين سامية شمال رام الله، تحولت كسارة الحجر التي تمتد على مساحة 300 دونم، إلى هدف متكرر لاعتداءات المستوطنين. ففي فجر 27 يوليو الماضي، قطع مستوطنون السياج المحيط بالموقع وأضرموا النار في جرافات وحفارات وشاحنات، ما أدى إلى خسائر تقدر بنحو 700 ألف دولار، وفق مالك المنشأة عبد الصمد عبد العزيز.
وأوضح عبد العزيز أن المستوطنين أقاموا بؤرة استيطانية رعوية في الطريق المؤدي إلى الموقع، بعد تهجير الرعاة الفلسطينيين منها، ما انعكس على حركة العمل اليومية، إذ يتعرض العاملون وسائقو الشاحنات لمضايقات واعتداءات مستمرة. ورغم ذلك، يتمسك بالبقاء ومواصلة العمل والإنتاج، رافضًا الاستسلام للضغوط.
ما تداعيات الهجوم على محجر السموع جنوب الخليل؟
في بلدة السموع جنوب الخليل، يتكرر السيناريو نفسه. ففي 21 أغسطس الجاري، هاجم نحو ثلاثين مستوطنًا محجرًا يملكه الفلسطيني خالد الزعارير، وأضرموا النار في الآليات والمعدات، ما أدى إلى احتراق أكثر من 90% منها، وأصبحت غير قابلة للإصلاح. وأوضح الزعارير أن المحجر كان يوفر مصدر دخل مباشر وغير مباشر لنحو 55 شخصًا من أسر العاملين، الذين فقدوا عملهم بعد إحراقه، مشيرًا إلى أن الاعتداء سبقته تهديدات وإشارات بالقتل.
كيف يهدد الاستهداف الاقتصادي مستقبل الاستثمار الفلسطيني؟
يرى الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة أن المنشآت الاقتصادية الفلسطينية، خاصة الواقعة في المناطق المصنفة (ب) و(ج) وفق اتفاقية أوسلو، أصبحت هدفًا مباشرًا لهجمات المستوطنين بشكل جماعي ومدروس. ويوضح أن الاكتظاظ العمراني داخل المدن يضطر أصحاب المصانع إلى التوجه نحو المناطق المفتوحة للاستثمار، غير أن هذه المنشآت باتت عرضة لخسائر فادحة.
ويشير عفانة إلى أن حرق جرافة واحدة أو آلة حفر يكلف المستثمر مئات آلاف الشواكل، ما يؤدي إلى إنهاك الاقتصاد الفلسطيني واستنزاف موارده. ويحذر من أن هذه الاعتداءات تخلق بيئة طاردة للاستثمار، خاصة مع وصول نسبة البطالة في الضفة الغربية إلى 29%، وفي فلسطين ككل إلى نحو 48.5%، ما يضع أسرًا فلسطينية كثيرة في مواجهة مباشرة مع الفقر.
ما حجم اعتداءات المستوطنين على المنشآت الاقتصادية؟
يكشف مسؤول النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الحكومية، أمير داوود، أن الهيئة وثقت في يوليو الماضي وحده 798 اعتداءً للمستوطنين، شملت 440 عملية تخريب للممتلكات وتجريف للأراضي، و67 عملية مصادرة وسرقة، إضافة إلى تخريب واقتلاع وتسميم 5027 شجرة. ويؤكد أن استهداف منشأة صناعية أو تجارية واحدة لا يصيب مالكها فقط، بل يطال العمال وعائلاتهم والموردين ووسائل النقل والسوق المحلية.
ما الدلالة الأخطر للاستهداف الاقتصادي الفلسطيني؟
يختم داوود بالقول إن الدلالة الأخطر تكمن في أن الاستهداف الاقتصادي يمكن أن يصبح مقدمة للتهجير المكاني؛ فعندما يفقد المواطن مصدر رزقه، ويُمنع من الوصول إلى منشأته أو أرضه، تتراجع قدرته على البقاء في المنطقة. وبهذا، يؤدي إرهاب المستوطنين وظيفة مزدوجة: إلحاق خسارة اقتصادية مباشرة، وإنتاج بيئة قسرية تدفع الفلسطينيين إلى الانسحاب من الأرض، بما يفتح المجال أمام التوسع الاستعماري والسيطرة عليها.
وتؤكد هذه التطورات الخطيرة الحاجة إلى موقف دولي حازم يحمي الاقتصاد الفلسطيني، ويدعم صمود الشعب الفلسطيني في وجه اعتداءات المستوطنين، بما ينسجم مع الموقف القطري الثابت الداعم للقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.