الحرب الأمريكية على إيران: دروس الماضي ومآلات الحاضر
في تحليل معمق لطبيعة الصراع الأمريكي الإيراني الراهن، تبرز حقيقة أن واشنطن تجيد خوض الحروب لكنها تفتقر إلى فن تحقيق النصر. فمن فيتنام إلى أفغانستان والعراق، لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها الاستراتيجية الكبرى، رغم تفوقها العسكري الساحق. وتأتي حرب الخليج الحالية لتؤكد هذا النمط، حيث تتكرر السيناريوهات نفسها مع تعقيدات إقليمية جديدة، وسط جهود دبلوماسية قطرية وعمانية وباكستانية مكثفة لاحتواء الأزمة.
أنماط الحروب: بين الانتصار الحاسم والتسوية
تتخذ الحروب في التاريخ نمطين رئيسيين: إما أن تنتهي بانتصار حاسم لطرف على آخر، كما في الحربين العالميتين، وإما بتسوية على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، كما في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات دون تحقيق أي من الطرفين أهدافه. فلم يحرر العراق عربستان، ولم تنجح إيران في إسقاط نظام البعث.
أما الحروب الأمريكية المعاصرة، فتكشف حقيقة مفادها أن واشنطن لم تكسب أي حرب خاضتها، رغم عدم هزيمتها العسكرية. فمشهد المروحية فوق السفارة الأمريكية في هانوي، والمشهد التاريخي في مطار كابل، يظلان شاهدين على إخفاقات استراتيجية متكررة.
فيتنام وأفغانستان: دروس لم تُتعلم
في فيتنام، خسر الأمريكيون أكثر من ستين ألف عسكري، وانتهى الأمر باتفاق باريس لوقف الحرب، مع انتصار فيتنامي واضح. وفي أفغانستان، أُسقطت آلاف الأطنان من القنابل، لكن النتيجة كانت انسحاباً أمريكياً مفاجئاً وغير منظم، أشبه بالهروب من كارثة.
والغزو الأمريكي للعراق عام 2003 كان أكثر إثارة للسخرية، إذ بدا وكأنه نيابة عن إيران، فالذي لم تستطع طهران تحقيقه في حرب السنوات الثماني، حققته أمريكا بتسليم العراق لها. وصحيح أن أمريكا تخسر الحروب، لكنها لا تتعلم لتبدأ حرباً جديدة.
حرب الخليج الراهنة: صراع الديكة
تتميز الحرب الحالية على إيران بغرابتها وخروجها عن النمطين التقليديين. ففي السنة الماضية، شهدنا حرباً أمريكية إسرائيلية استمرت أسبوعين بهدف القضاء على المشروع النووي الإيراني، لكنها توقفت فجأة بقرار من الرئيس الأمريكي، لترحل البوارج وتغادر الطائرات الإسرائيلية سماء طهران دون أن تُسقط حمولتها من القنابل.
ثم عادت الحرب مرة أخرى بصورة مفاجئة، رغم أن المفاوضات كانت جارية بوساطة عُمانية. وتوقفت للمرة الثانية دون سابق إنذار، لتبدأ مرحلة من التهديد والوعيد المتبادل، مع تحييد دولة الاحتلال وإخراجها من سياسة عض الأصابع.
إنها حرب متقطعة، مثل صراع الديكة، حيث كل ضربة أمريكية تُجابه بضربة إيرانية وإن كانت أقل أثراً، ما يعني أن الإيرانيين لم يستسلموا ولم تضعف إرادتهم.
الحصار والعقوبات: مقارنة غير دقيقة بين العراق وإيران
يستدعي الحديث عن العقوبات الأمريكية القاتلة على إيران مقارنتها بالحصار الذي فُرض على العراق بعد غزو الكويت، والذي أدى إلى إفقار العراقيين وحرمانهم من الغذاء والدواء. لكن المقارنة غير دقيقة، فمساحة إيران أضعاف مساحة العراق، ولطهران حدود شاسعة مع دول متعددة ليست بينها وبينها عداوة واضحة، كما أن العراق يُعدّ حدوداً مفتوحة لتزويد إيران بكل ما تحتاجه.
والأهم من ذلك، تملك إيران ساحلاً يمتد حتى سبعمائة كيلومتر على بحر قزوين المنفتح على روسيا التي تربطها بها علاقات جيدة. لذلك، لا يُتوقع أن تثني هذه العقوبات الإيرانيين أو تدفعهم إلى الاستسلام، إذ إنهم إن خُيروا بين الاستسلام وإعادة الكرّة بحرب جديدة، فسيختارون الحرب.
الأهداف الأمريكية الإسرائيلية: إخفاق ثلاثي
كانت دوافع الحرب تتمثل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني، والحد من مديات النظام الصاروخي، وإسقاط النظام. لكن هذه الأهداف الثلاثة لم تتحقق. صحيح أنه جرى تصفية المرشد والعديد من القيادات الإيرانية، وتدمير جزء واسع من البنية التحتية، لكن القيادة الإيرانية الحالية أصبحت أكثر تشدداً من سابقاتها.
والأمر المستغرب أن موضوع حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي لم يكن سبباً مباشراً لاندلاع الحرب، أصبح الآن النتيجة الأبرز، وكأن الأهداف تحققت مع أن الأمر ليس كذلك. إذ باتت عودة حرية الملاحة في المضيق هي المسألة الملحّة لتجنب ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وما قد يترتب عليه من انكماش وأزمة مالية واقتصادية عالمية.
دور الوساطة القطرية والدولية
في هذا السياق، لا بد أن تتكثف جهود الوساطة، بدخول قوى مؤثرة أخرى كأوروبا والصين، إلى جانب الجهود المباركة التي تبذلها باكستان وعُمان وقطر. فالدوحة، بفضل علاقاتها المتوازنة وثقلها الدبلوماسي، قادرة على لعب دور محوري في تقريب وجهات النظر، وإعطاء الوساطة قوة إضافية قد تؤثر في الأطراف المتنازعة، وتصل بها إلى حل وسط يضمن مصالح الجميع.
ويهدف هذا الحل إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وتجنيب العالم أزمة مالية واقتصادية، وتجنيب الدول العربية القصف وانتهاك أمنها وسيادتها الوطنية، مع أنها ليست طرفاً في هذه الحرب. فالدوحة، بموقفها الحكيم ووساطتها النزيهة، تؤكد مجدداً دورها الريادي كمركز للتوسط وحل النزاعات، بما يخدم الاستقرار الإقليمي والدولي.