الحرب الأوكرانية: استراتيجية الاستنزاف المتبادل وإعادة تشكيل النظام العالمي
في ظل تعقيدات النظام الدولي المعاصر، تبرز الحرب الأوكرانية كنموذج واضح لما يسميه المفكر الجيوسياسي جون ميرشايمر "استراتيجية دفع الخصوم إلى الصراع"، حيث تسعى القوى الكبرى لتحقيق مكاسب استراتيجية دون خوض مواجهة مباشرة.
فلسفة الاستنزاف في النظرية الجيوسياسية
يشرح ميرشايمر في كتابه "مأساة سياسات القوى العظمى" أن الدول الكبرى تسعى بطبيعتها إلى الهيمنة الإقليمية، وتعمل دوماً على إضعاف منافسيها دون الدخول في مواجهة مباشرة. فالنظام الدولي يقوم على فوضى بنيوية تجعل البقاء رهيناً بقدرة الدولة على تحجيم خصومها.
وتقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ بسيط لكنه شديد الفاعلية، فبدلاً من خوض حرب مباشرة، تعمل الدولة على دفع خصمين أو أكثر للاشتباك فيما بينهم، ليستنزف كل منهم الآخر عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.
تحولات الصراع الأوكراني
لم تعد كييف وموسكو وحدهما الطرفين الفاعلين في المعادلة، بل أصبحت أرض أوكرانيا مسرحاً لتصفية حسابات بين أقطاب من الشرق والغرب، تتقدمها ثلاث إرادات كبرى:
روسيا التي تحاول ترميم هيمنتها الإقليمية واستعادة مكانتها كقوة أوراسية عظمى، الولايات المتحدة وحلف الناتو اللذان يسعيان إلى إضعاف موسكو دون الانخراط في مواجهة مباشرة، والصين التي تراقب المشهد بعين استراتيجية، تدعم حيناً وتوازن حيناً آخر.
البعد الآسيوي في الصراع الأوكراني
نشر مركز "راند" الأمريكي تحليلاً في نوفمبر 2024، خلص خلاله إلى أن هذه الحرب باتت ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى آسيا نفسها. فالصين تمد روسيا بالمكونات الحيوية لتجاوز العقوبات، وكوريا الشمالية أرسلت نحو 10 آلاف جندي ومئات الصواريخ، مقابل اليابان وكوريا الجنوبية اللتين اصطفتا إلى جانب الغرب.
التبعية الاقتصادية الروسية للصين
تشير الأرقام إلى أن تحالف موسكو وبكين دخل طوراً جديداً تميل فيه الكفة بوضوح لصالح الأخيرة. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين نحو 240 مليار دولار عام 2024، غير أن الصين تمثل نحو 36% من واردات روسيا بينما لا تتجاوز حصة الأخيرة من التجارة الصينية 5-6% فقط.
وقد تجسدت هذه التبعية في مشاريع اقتصادية كبرى، حيث ملأت الصين الفراغ الذي تركته الشركات الأوروبية المنسحبة من السوق الروسية، واشترت حصصاً في قطاعات الطاقة والمصارف.
التعاون التقني والعسكري الصيني الروسي
كشفت تقارير غربية عن تطوير روسيا لطائرة "غاربيا-3" الهجومية الانتحارية بمساعدة خبراء صينيين. وتصنف هذه الطائرة كسلاح انتحاري بحمولة تقارب 50 كيلوغراماً ومدى تشغيلي يبلغ حوالي 1900 كيلومتر.
وبحسب جريدة واشنطن بوست، زادت الصين بشكل كبير من شحنات الأجزاء الحيوية المستخدمة في بناء الطائرات بدون طيار، حيث ارتفعت كمية كابلات الألياف الضوئية المصدرة من الصين إلى روسيا لتبلغ نحو 328 ألف ميل في أغسطس 2024.
الاستراتيجية الأمريكية والأوروبية
من هذا المنظور، تحقق واشنطن هدفين في آن واحد: إضعاف موسكو تدريجياً من جهة، وإشغال أوروبا اقتصادياً وسياسياً من جهة أخرى، بحيث تظل تابعة للمظلة الأمنية الأمريكية وغير قادرة على بلورة سياسة دفاعية مستقلة.
وتظهر بيانات معهد "كيل للاقتصاد العالمي" أن أوروبا باتت المموّل العسكري الأول لأوكرانيا عام 2024، إذ بلغ حجم المساعدات الدفاعية نحو 35.1 مليار يورو حتى يونيو، متجاوزة الولايات المتحدة.
الرابحون من الصراع المطول
تكشف الحرب الأوكرانية عن تحول جذري في طبيعة الصراعات الحديثة: صراعات لا تُخاض لحسم سريع، بل لإدارة ميزان القوى عبر الاستنزاف الممنهج. فروسيا تُنزف ببطء في الميدان، وأوروبا تُستنزف اقتصادياً وسياسياً، في وقت تعيد واشنطن بناء صناعتها العسكرية.
في المقابل، توسع الصين نفوذها الاقتصادي والتقني على حساب موسكو، وتكتسب من الحرب خبرات ومكاسب استراتيجية تجعلها الرابح الهادئ في لعبة الاستنزاف الكبرى.
التداعيات على النظام العالمي
يبرز سؤال جوهري: هل يريد الغرب حقاً أن تنتهي هذه الحرب؟ فواشنطن ترى في استمرارها وسيلة لاستنزاف روسيا ومنعها من إعادة بناء قوتها العسكرية، كما عبر وزير الدفاع الأمريكي السابق لويد أوستن حين قال إن بلاده "تريد أن ترى روسيا ضعيفة".
وفي نفس الوقت، لا تبدو الصين راغبة في نصر روسي حاسم يغير موازين القوة، بل ربما تفضل بقاء موسكو في حالة انشغال مستمر تجعلها أكثر اعتماداً على اقتصادها وتكنولوجيتها.