مزارعو غزة يحيون الأرض بالفؤوس وسط الحصار المستمر
تشهد قطاع غزة اليوم مشهداً يعكس صموداً استثنائياً، حيث يعود المزارعون الفلسطينيون إلى أراضيهم المدمرة بعد أشهر من الهدنة الهشة، حاملين معهم أدوات بسيطة وإرادة لا تنكسر في مواجهة سياسة التجويع الممنهجة.
وبعد نحو أربعة أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع المحاصر، بدأت الأرض تتنفس بحذر وسط دمار شامل طال 95% من المساحات الزراعية، في مشهد يؤكد عمق الإبادة الزراعية التي استهدفت الأمن الغذائي للشعب الفلسطيني.
صمود في وجه الخراب
يقف المزارع محمود الغول (55 عاماً) في مدينة غزة متأملاً أرضه التي كانت بساطاً أخضر يفيض بالخضروات، قائلاً: "اضطررنا لمغادرة أراضينا في أكتوبر 2023 حين اندلعت الحرب، ونزحنا نحو مناطق الجنوب. كانت هذه الأرض منتجة، ونعتمد عليها في حياتنا بأكملها".
وأضاف الغول في حديثه: "لا نملك الأموال الكافية لاستئجار الآليات الثقيلة لاستصلاح الأرض، ولجأنا لاستخدام أدوات يدوية بسيطة كالمجارف والفؤوس"، معبراً عن أمله في أن تقوم لجنة إدارة غزة بدعم المزارعين ومساندتهم.
معركة البقاء الزراعي
في مواصي خان يونس، يحاول المزارع أحمد أبو بريكة (42 عاماً) إعادة الحياة إلى تربة أنهكها القصف، موضحاً: "أحاول جاهداً إصلاح ما يمكن في هذه الأرض، لكننا لا نملك القدرة على فعل شيء حقيقي لغياب الآليات اللازمة".
وتحدث أبو بريكة عن غياب أبسط المستلزمات: "لا بذور متوفرة، ولا أنابيب ري، ولا حتى المبيدات اللازمة لحماية الخضروات. إن بحثت في طول البلاد وعرضها فلن تجد المستلزمات الزراعية الأساسية".
الغلاء الفاحش يضاعف المعاناة
في دير البلح وسط القطاع، يواجه المزارع خليل الحج (50 عاماً) معركة مع الغلاء الفاحش، حيث قال: "لفة أنابيب الري التي كان سعرها قبل الحرب 50 شيكلاً، صارت اليوم بـ1000 شيكل"، مشيراً إلى أن تكلفة زراعة الدونم الواحد من الفجل ارتفعت من 50 شيكلاً إلى 2000 شيكل.
أرقام صادمة تكشف حجم الدمار
تشير التقارير الرسمية إلى أن ما بين 90% و95% من المساحات الزراعية تعرضت للتدمير، حيث جرى تجريف نحو 145 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الخصبة، وتدمير أكثر من 1100 بئر زراعي و450 ألف متر طولي من شبكات الري.
كما تم سحق نحو 12 ألفاً و500 دفيئة زراعية، وتُقدر الخسائر المباشرة لهذا القطاع بنحو 2.2 مليار دولار، مما أدى إلى ارتفاع جنوني بأسعار السلع الأساسية فاق القدرة الشرائية للسكان المحاصرين.
رسالة صمود من الشمال
في شمال غزة، يروي المزارع يوسف سالم (60 عاماً) قصة صمود استثنائية، قائلاً: "لقد تعمد الاحتلال تدمير كل مظاهر الحياة في غزة، وركز بشكل ممنهج على القطاع الزراعي".
وأضاف بثقة: "لن ينجح الاحتلال في اقتلاعنا من هذه الأرض، فنحن متجذرون هنا كما كان آباؤنا وأجدادنا"، مشيراً إلى أن بناته أنشأن مشتلاً صغيراً لزراعة البطاطس كرسالة صمود.
خبراء يطالبون بفتح المعابر
من جهته، رأى الخبير الزراعي المهندس محمد أبو عودة أن التعافي الحقيقي للقطاع الزراعي "مرتبط عضوياً ببدء عملية إعادة الإعمار وفتح المعابر بشكل كامل وغير مشروط".
وأكد أبو عودة أن "إزالة السواتر الترابية ومخلفات الحرب، وإعادة تأهيل الآبار وشبكات الري، وتوفير البذور والأسمدة والمبيدات بأسعار مدعومة" خطوات ضرورية لكنها ستبقى محدودة الأثر ما لم يبدأ إعمار حقيقي وشامل.
وشدد على أن الزراعة في غزة ليست قطاعاً ثانوياً يمكن تأجيله، بل هي ركيزة الأمن الغذائي ومصدر رزق لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية، مؤكداً أن المزارع الفلسطيني يخوض معركة غير متكافئة في ظل استمرار القيود والحصار.