توسع الاحتلال الإسرائيلي نحو المدن الفلسطينية الهادئة: استراتيجية جديدة لفرض الهيمنة
تشهد الضفة الغربية تحولاً خطيراً في طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية، حيث لم تعد محصورة في مدن المواجهة التقليدية شمال الضفة، بل امتدت إلى مدن وبلدات كانت تصنف "هادئة" نسبياً وبعيدة عن بؤر التصعيد.
تصعيد عسكري في المدن الهادئة
في الأعوام الأخيرة، تصدرت المشهد الميداني مدن مثل جنين وطولكرم ونابلس، خاصة بعد ظهور تشكيلات مقاومة عسكرية مثل عرين الأسود في نابلس وكتيبة جنين. غير أن مدناً لم تشهد حضوراً فاعلاً لتشكيلات مقاومة عادت مؤخراً إلى الواجهة عبر اقتحامات واعتداءات متكررة.
منذ أسبوع، شنت قوات الاحتلال اقتحاماً واسعاً لمدينة سلفيت، يعد الأكبر منذ بداية العام، بمشاركة مئات الجنود وعشرات الآليات العسكرية، واستمر لنحو 12 ساعة متواصلة. خلال الاقتحام، أغلقت القوات المداخل الرئيسية للمدينة وفرضت طوقاً حول مستشفى الشهيد ياسر عرفات.
استراتيجية الترهيب والسيطرة
يؤكد الصحفي محمد أشتية أن الاقتحام لا مبرر له، فمدينة سلفيت تعد من المدن الهادئة ولم تشهد أي أحداث أمنية خلال الأشهر الماضية. ويصف التبريرات الإسرائيلية بحجة "منع الإرهاب" بذرائع لاستعراض القوة، مشيراً إلى أن الهدف الحقيقي هو فرض واقع ميداني جديد وترهيب السكان.
ترتبط الاقتحامات الأخيرة بشكل وثيق بالتوسع الاستيطاني وعزل المدينة، فمحافظة سلفيت باتت مطوقة بالمستوطنات، ويجري حالياً تجريف أراضٍ لإنشاء حي استيطاني ضخم يعرف بـ"أرئيل الغربية" بمساحة تزيد على 6 آلاف دونم.
منطق العصا والجزرة
يرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن تصنيف "المدن الهادئة" و"مدن التصعيد" ليس توصيفاً موضوعياً للواقع الفلسطيني، بل إطاراً صنعه الاحتلال الإسرائيلي لإدارة المجتمع الفلسطيني وفق منطق "العصا والجزرة".
يسعى الاحتلال إلى خلق خريطة نفسية وجغرافية تقسم الفلسطينيين إلى فئات تمنح تسهيلات وامتيازات، وأخرى تفرض عليها العقوبات والضغط، بما ينتج كوابح داخلية ويغذي نوعاً من التنافس أو التشكيك داخل البيئة الوطنية نفسها.
مشروع الاستيلاء المتدرج
يشير بشارات إلى أن ما يجري يندرج في سياق سياسة استباقية تتقاطع بوضوح مع مشاريع التوسع الاستيطاني وإعادة هندسة السيطرة الميدانية على الضفة الغربية. ويقوم المشروع الاستيطاني على مبدأ "الاستيلاء المتدرج"، حيث يعتمد مراحل متعاقبة من التوسع، مستخدماً أدوات وتصنيفات تسهل الانتقال من جزئي إلى أوسع.
تقسيمات المناطق (أ، ب، ج) حسب اتفاقية أوسلو شكلت نموذجاً مبكراً لهذه المنهجية، حيث يبدأ الاستهداف بمنطقة محددة ثم يتسع تدريجياً، والغاية هي امتصاص أي رد فعل مباشر، وتقليل كلفة الانتقال نحو فرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد.
التأثير على الحياة اليومية
في ظل تبني السلطة الفلسطينية نظرية "سد الذرائع" التي تمنع اندلاع المقاومة، يؤكد بشارات أن الفلسطيني قد يتعامل أحياناً مع الإجراءات الإسرائيلية بدافع الاحتياج المرحلي، لكن هذا التقبل لا يعني استسلاماً، بل هو محاولة للتأقلم من أجل البقاء.
يتفق الباحث عيسى زبون مع أن ما يعرف بـ"المدن الهادئة" ليس تصنيفاً فلسطينياً، بل أوجده الاحتلال الإسرائيلي لتبرير ممارساته، خصوصاً عمليات الاعتقال والهدم وفرض الحواجز العسكرية.
جميع المدن في الضفة الغربية مستهدفة، لكن بعضها أكثر عرضة للتصعيد بسبب خصوصياته. الاحتلال يستخدم المستوطنين كذراع ثالث لتفريغ الأرض، ومصادرة الأراضي وفرض مشاريع استيطانية وطرق التفافية، مع تصاعد عمليات الدهم والحصار في القرى الفلسطينية خلال العامين الماضيين.