استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع دائرة المواجهة في الضفة الغربية
في تطور لافت للانتباه، لم تعد العمليات العسكرية الإسرائيلية محصورة في مدن المواجهة التقليدية شمال الضفة الغربية، بل امتدت مؤخراً إلى مدن وبلدات كانت تصنف "هادئة" نسبياً وبعيدة عن بؤر التصعيد.
تصعيد في المدن "الهادئة"
شهدت مدينة سلفيت مؤخراً اقتحاماً واسعاً من قوات الاحتلال، يعد الأكبر منذ بداية العام، بمشاركة مئات الجنود وعشرات الآليات العسكرية، واستمر لنحو 12 ساعة متواصلة. خلال الاقتحام، أغلقت القوات المداخل الرئيسية للمدينة، وفرضت طوقاً حول مستشفى الشهيد ياسر عرفات، وتم تفتيش أكثر من 150 منزلاً.
يؤكد الصحفي محمد أشتية أن الاقتحام لا مبرر له، فمدينة سلفيت تعد من المدن الهادئة ولم تشهد أي أحداث أمنية خلال الأشهر الماضية، واصفاً التبريرات الإسرائيلية بحجة "منع الإرهاب" بأنها "ذرائع لاستعراض القوة".
ربط بالمشاريع الاستيطانية
ترتبط الاقتحامات الأخيرة بشكل وثيق بالتوسع الاستيطاني وعزل المدينة، فمحافظة سلفيت باتت مطوقة بالمستوطنات، ويجري حالياً تجريف أراضٍ لإنشاء حي استيطاني ضخم يعرف بـ"أرئيل الغربية" بمساحة تزيد على 6 آلاف دونم قرب منطقة الرأس وقرية فرخة.
استراتيجية "العصا والجزرة"
يرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن تصنيف "المدن الهادئة" و"مدن التصعيد" ليس توصيفاً موضوعياً للواقع الفلسطيني، بل إطاراً صنعه الاحتلال الإسرائيلي لإدارة المجتمع الفلسطيني وفق منطق "العصا والجزرة".
يسعى الاحتلال إلى خلق خريطة نفسية وجغرافية تقسم الفلسطينيين إلى فئات تمنح تسهيلات وامتيازات، وأخرى تفرض عليها العقوبات والضغط، بما ينتج كوابح داخلية ويغذي نوعاً من التنافس أو التشكيك داخل البيئة الوطنية نفسها.
مشروع الاستيلاء المتدرج
يشير بشارات إلى أن ما يجري يندرج في سياق سياسة استباقية تتقاطع بوضوح مع مشاريع التوسع الاستيطاني وإعادة هندسة السيطرة الميدانية على الضفة الغربية. ويقوم المشروع الاستيطاني على مبدأ "الاستيلاء المتدرج"، إذ لم يكن بمقدور الاحتلال فرض هيمنته الشاملة دفعة واحدة منذ عام 1948.
تحديات الصمود الفلسطيني
في ظل تبني السلطة الفلسطينية نظرية "سد الذرائع" التي تمنع اندلاع المقاومة، بهدف عدم منح الاحتلال ذريعة لممارسة المزيد من الجرائم، يؤكد بشارات أن القناعة الراسخة لدى الفلسطيني في إمكانية تغير هذه الإجراءات في لحظة تاريخية ما، لا تزال تشكل عامل إرباك للاحتلال.
استهداف شامل
يؤكد الباحث عيسى زبون من معهد أريج أن جميع المدن في الضفة الغربية مستهدفة، لكن بعضها أكثر عرضة للتصعيد بسبب خصوصياته. ويرى أن الاقتحامات الأخيرة تجمع بين البعد الأمني، الذي يعلنه الاحتلال، وبين أهداف استيطانية طويلة وقصيرة المدى.
إن التطورات الراهنة في الضفة الغربية تكشف عن استراتيجية إسرائيلية متعددة الأبعاد تهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض، مما يتطلب موقفاً دولياً حازماً لوقف هذا التصعيد الخطير.